زياد الرحباني… حين يصمت الهدير ويغيب الضمير
سمر قرة

هذا الصباح حزينٌ، دخلت بيروت في حدادها الداخلي، دون نشرة طقس ولا أناشيد وطنية. مات زياد. نعم، مات الصوت المتمرد الذي علّمنا كيف نخلط السخرية بالفلسفة، والنكتة بالنبوءة، واللحن بالرصاص. مات الرجل الذي لم يكن يشبه أحدًا، ولا حتى نفسه، فكيف نرثيه؟
ليس سهلًا أن تكتب عن رحيل زياد الرحباني. فكل حرف تحاول وضعه على الورق يبدو ناقصًا، خائفًا، غريبًا، أمام هيبة الغياب. فزياد لم يكن فنانًا عاديًا، ولا مفكرًا عابرًا، بل كان زلزالًا أخلاقيًا، ووجدانًا محتدًا، وصوتًا جماعيًا يتكلم من فم المقهورين والمكسورين واليائسين والعاشقين والثائرين.
في موت زياد، تموت قطعة من ضمير الأوطان.
تموت بيروت تلك التي كانت تجرؤ أن تضحك في وجه السلطة، وتبكي من زحمة الوعي، وتغنّي، رغم الخراب، للحبّ الموجوع وللوطن المشلوح. تموت اللغة التي كان يسحبها زياد من الشارع لتصير على المسرح قصيدة، ومن الدكان لتصبح سيمفونية، ومن المذياع لتغدو فلسفة يومية شعبية.
زياد الذي خاض معركته مع الوجود منذ أن خرج من رحم فيروز وصوت عاصي، لم يشأ أن يكون ابن الأسطورة. كان ضد اللامع، ضد المشهدي، ضد التصفيق المجاني. اختار أن يكون في الظل، ليضيء أكثر. أن يسكر على المسرح، ليوقظنا من سكرنا الجماعي. أن يسخر من الجميع، حتى من نفسه، كي يقول الحقيقة من حيث لا يتوقع أحد.
الآن، وهو يرحل بصمت يشبه أغنيته الأخيرة، نشعر أن الهواء صار أضيق. أن المدينة فقدت مرآتها. أن مقهى “هورس شو” سيظل يبحث عن طيفه بين الطاولات، وكرسيه الفارغ سيتحوّل إلى مزار للوجع والضحك معًا. صوته الذي كان يجرحنا ليشفينا، بات الآن من أملاك الغياب.
وداعًا يا زياد، يا آخر العباقرة الذين قالوا لا، وكتبوها نوتة، وجعلوها عرضًا مسرحيًا، وقصيدة حب. وداعًا أيها الذي لم تساوم يومًا على النغمة ولا على الرأي. نم حيث لا يتنصّت عليك أحد، ولا ينتقدك أحد، ولا يُطالبك أحد بلحن جديد… لقد كتبت نشيد الغضب الأخير.
قد يظن بعضهم أنك مُتَّ، لكننا نعرف الحقيقة: أنت فقط غادرت الجسد، أما الباقي فينا فهو زياد.
