“شاعرُ الكورةِ الخضراءِ” يُوقظُ “العندليبَ”
إرثٌ أدبيٌّ يتنفّسُ من جديدٍ في بسكنتا
بقلم: سمر قرة

من قلبِ بسكنتا، حيثُ نشأَ العندليبُ وارتوتْ منهُ القصيدةُ، وحيثُ ينبعثُ صدى عبد الله غانم، ذلكَ الصوتُ الذي ما برحَ يهمسُ بأرضِ الجبلِ ونبضِ أهلِها، وها هو بعدَ خمسةٍ وثمانينَ عامًا يغرّدُ بلا كللٍ ولا مللٍ، محافظًا على نضارةِ لغتِه وصدقِ رؤيتِه.
ففي أمسيةٍ ثقافيةٍ استثنائيةٍ، احتضنَ مركزُ عبد الله غانم الثقافيُّ حفلَ إطلاقِ الطبعةِ الرابعةِ من ديوانِ “العندليبِ”، تحتَ رعايةِ منتدى “شاعرِ الكورةِ الخضراءِ”.
ارتقى اللقاءُ إلى مستوىً جمعَ فيهِ الأدبَ والفنَّ والسياسةَ، وحضرهُ طيفٌ واسعٌ من المثقفينَ والأدباءِ، مؤكّدينَ أنَّ الإرثَ الأدبيَّ نبضٌ حاضرٌ يستشرفُ المستقبلَ.
١/بينَ الزجلِ والشعرِ الخالصِ: رحلةٌ في روحِ لبنانَ الحيّةِ
عبَر عبد الله غانم، بقصيدتِهِ التي تنهلُ من عمقِ الريفِ، جسورًا بينَ الزجلِ الشعبيِّ والشعرِ الفصيحِ، ليصنعَ لغةً جديدةً تليقُ بروحِ لبنانَ الحيّةِ. هذا التجديدُ اللغويُّ لم يكنْ مجردَ انتقالٍ، بل كانَ ولادةً لمدرسةٍ أدبيةٍ خاصةٍ احتفتْ بها الأجيالُ، من يوسف الخال الذي رأى فيهِ إمامًا، إلى ميخائيل نعيمة الذي أدهشتْهُ رشاقةُ صورِه الشعريةِ.
وما زادَ من خلودِ هذا الديوانِ انتقالُه من صفحاتِ الكتبِ إلى ألسنةِ كبارِ المطربينَ، خصوصًا فيروزَ وألحانَ الرحابنةِ، الذينَ أضافوا لهُ أجنحةً غنائيةً حملتِ القصائدَ إلى قلبِ كلِّ بيتٍ لبنانيٍّ، مما جعلَ “العندليبَ” لا يشيخُ، بل يتجدّدُ معَ كلِّ غنوةٍ وكلِّ جيلٍ.
٢/الطبعةُ الرابعةُ: إحياءٌ للماضي بروحِ الحاضرِ
هذهِ الطبعةُ التي جاءَ إنجازُها بمبادرةٍ كريمةٍ من القاضي غالب غانم والأستاذةِ ميراي شحادة وبجهودِ منتدى “شاعرِ الكورةِ الخضراءِ” بقيادةِ عبد الله شحادة، ليستْ مجرّدَ إعادةِ طباعةٍ، بل مشروعٌ ثقافيٌّ حيٌّ.. ففي مجتمع تتغيّرُ فيهِ الأذواقُ وتتداخلُ فيهِ الثقافاتُ تبقى مهمةُ الحفاظِ على الروحِ الأصيلةِ للقصائدِ تحدّيًا جديدًا. و”العندليبُ” هنا يشكّلُ الجسرَ الذي لا يُهدمُ بينَ الماضي والحاضرِ، بينَ الأصالةِ والحداثةِ، ليصلَ إلى الجيلِ الذي لم يعشْ ولادتَه الأولى، ليمنحَهُ صوتًا وذاكرةً.
٣/منصةُ حوارٍ وإبداعٍ في محرابِ بسكنتا
لم يكنِ الحفلُ مجردَ مناسبةٍ أدبيةٍ عاديةٍ، بل كانَ منصةَ حوارٍ جمعتِ الأدباءَ والفنّانينَ والمثقفينَ والسياسيينَ، في حوارٍ مفتوحٍ عن أهميةِ اللهجةِ والتراثِ ودورِ الأدبِ في صوغِ الوعيِ الوطنيِّ والاجتماعيِّ.
تناولَ المتحدّثونَ دورَ ديوانِ “العندليبِ” في تجسيدِ الروحِ اللبنانيةِ الأصيلةِ، خصوصًا في بسكنتا وجبلِ صنينَ، حيثُ “الكلماتُ مَنابعُ حكمةٍ، والهواءُ لغةٌ وإبداعٌ”. تداخلتِ الكلماتُ معَ الموسيقى الحيةِ للفنانِ ناصر مخول، وجمالِ صوتِ مارلين يونس، معززةً بذلكَ رسالةَ اللقاءِ في أنَّ الثقافةَ لا تعيشُ في عزلةٍ، بل هي خيطٌ يربطُ بينَ الإنسانِ والزمانِ والمكانِ.
وكلمةُ الشكرِ والامتنانِ حاضرةٌ لكلِّ من ساهمَ في ولادةِ هذهِ الطبعةِ الجديدةِ، بدءًا بالقاضي غالب غانم الذي يحملُ إرثَ والدهِ بفخرٍ، مرورًا بالأستاذةِ ميراي شحادة التي أضافتْ بصمتَها الثقافيةَ والبحثيةَ والفلسفية والشاعرية، وصولًا إلى المتحدّثينَ الكبار الذينَ أضاءوا الحفلَ بخبراتِهم وادبهم وشعرهم: حبيب يونس، وميراي شحادة، وهنري زغيب، ورفيق غالب. كما لا ننسى مديرَ الندوةِ المتميزَ أنطوان المدور، والمفاجأةَ التي أثْرتِ الأمسيةَ بمداخلة القاضي الشاعرِ غالب غانم.
لقد جعلتْ هذهِ الجهودُ المجتمعةُ من الأمسيةِ صلاةً في محرابِ الألقِ وأكدتْ أنَّ ديوانَ “العندليبِ” لم يكنْ صدى الماضي فقط، بل صرخةُ المستقبلِ في زمنٍ يطغى عليهِ السريعُ والمسطّحُ.
أما منشوراتُ “شاعرِ الكورةِ” فلم تكنْ يومًا مجردَ دارِ نشرٍ، بل كانتْ وستبقى حركةً ثقافيةً تُشعلُ وعيَ الأجيالِ، وتُحافظُ على نكهةِ اللغةِ والذاكرةِ، وتمنحُ الكلمةَ اللبنانيةَ حقَّها عبرَ الزمنِ. وفي بسكنتا الجميلةِ، حيثُ تلتقي الحكمةُ بالنقاءِ، تبقى الكلماتُ منبعًا حيًّا لا ينضبُ، والهواءُ لغةَ تعبيرٍ تشتعلُ بالإبداعِ، ليحيا الأدبُ فينا، ويبقى إرثًا مؤبّدًا ينقلُه أبناءُ الأبناءِ.





