طرابلس بين عبث الإدارة وإشراق القراءة – مدينة خُلقت لتقاوم
سمر قرة / العالمية

طرابلس، المدينة التي كانت تُنجب الفكرة قبل الحدث، والعقل قبل القرار، تُعاني اليوم من إدارةٍ تُفرّغ روحها من معناها.
قراراتٌ تُتخذ في غياب الرؤية، وتعييناتٌ تشبه الصدف أكثر مما تشبه العدالة، وطاقاتٌ شبابية تُقصى بحججٍ واهية، فيما النساء يُحاصَرن تحت مظلة ذكوريةٍ لا تزال تتعامل مع الكفاءة كاستثناءٍ لا كحقٍّ طبيعيّ.
في الميناء، جرت الانتخابات البلدية «بفعل الخير» ثم توقّف الخير عند منتصف الطريق.
مجلسٌ بلديّ لم يُنتج بعد روح المدينة، وقيادةٌ لم تُمنح للجيل القادر على التغيير. أما العمل البلدي، فيكاد يُختصر بشكاوى الناس ومحاولاتٍ فردية من شرطةٍ تكافح بما تبقّى من إمكاناتها لحفظ النظام في مدينةٍ تُترك لتدبّر أمرها وحدها.
طرابلس لا ينقصها الذكاء ولا الشغف، بل من يُصغي لعقلها.
فبينما يتهالك الأداء الرسمي، يسطع في المقابل وجهٌ آخر من وجوهها: وجهُ ثانوية الحدادين – بنات، التي حقّقت إنجازًا وطنيًا لافتًا بفوزها بالمركز الأوّل في مسابقة «تحدّي القراءة العربي» بين المدارس اللبنانية، ضمن دورةٍ شارك فيها أكثر من خمسين دولة ومئات الآلاف من المدارس حول العالم.
إنه إنجازٌ تربويّ خالص وطرابلسيّ الهوى، تحقق في مدرسةٍ رسميةٍ تقف بإمكاناتٍ متواضعة أمام وزارةٍ غائبةٍ عن مسؤولياتها.
مديرة الثانوية «هبة عبس» ومشرفاتها حوّلن القراءة إلى ثورةٍ معرفيةٍ هادئة، شاركت فيها أكثر من ثلاثمئة طالبة قرأن ما يزيد على خمسين كتابًا، بدافع الإيمان بأن الوعي مقاومة، والمعرفة خلاص.
مدرسةٌ رسمية تُبدع رغم الإهمال، فيما الوزارة تتفرّج، وكأنها لا تدرك أن في كل كتابٍ تُقلب صفحته حياةَ وطنٍ تُعاد كتابتُه من جديد.
وفي المقابل، ينهار صرح الجامعة اللبنانية بخيباتٍ مؤلمة.
التحقيقات في فضيحة كلية الحقوق – الفرع الأول كشفت تلاعبًا في النتائج وتزويرًا في العلامات، ما أدى إلى إقالة مدير الفرع وإحالة الملف إلى الجهات القضائية.
إنها مفارقة تُثير الوجع: في المدارس الرسمية يظهر الإخلاص رغم الفقر، وفي الجامعات الرسمية يتسلّل الفساد رغم التاريخ.
وهنا لا مفرّ من السؤال: أين وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي؟
هل يُعقل أن تُكرَّم طرابلس في دبي، وتُهان في بيروت؟
أن تُرفع رايتها في مسابقةٍ عربية، فيما جامعتها الرسمية تتصدّر عناوين الفساد؟
الوزيرة مدعوّة اليوم، إلى تبرير الصمت، إلى رفع سيف الشفافية والمحاسبة، والعودة إلى جوهر التربية: بناء الإنسان قبل النظام.
وفي خلفية المشهد، تعيش طرابلس مفارقاتٍ يومية:
شرطيٌّ يحافظ على الأمن بما تبقّى من العدّة، ومواطنٌ يصبر بما تبقّى من الأمل، ومثقفٌ يصمت بما تبقّى من الخيبة.
أما الجمعيات، فتعلو أصواتها موسميةً ثم تخفت تحت ضغط الواقع، كأنها جزء من دورة الإهمال نفسها.
ومع ذلك، لا يمكن قتل الإيمان في مدينةٍ تؤمن بالله وعدله.
طرابلس، رغم كل ما يُحاك ضدها من تهميشٍ وتجاهل، لا تزال تكتب لنفسها هويةً مختلفة – هويةٌ لا تُختصر في بلدية… أو وزارةٍ متقاعسة، بل في مدرسةٍ تُعلّم بناتها أن الكتاب خلاص، وفي شبابٍ يؤمنون أن الوعي هو المقاومة الأسمى.
طرابلس اليوم مدينةٌ تبحث عن الصدق في الفعل، والنزاهة في الإدارة، والكرامة في القرار.
مدينةٌ تتألّم بذكاء، وتحلم بعناد، وتقرأ لتبقى واقفةً في وجه الانهيار.
