طرابلس وبعلبك… هل تعاقبهما الجغرافيا أم تعاقبهما السياسة؟
سمر قرة / العالمية

هناك أسئلة يُفضّل كثيرون إبقاءها خارج الضوء؛ لأن الإجابة عنها قد تفتح ملفات أكبر من قدرة الطبقة السياسية على مواجهتها.
لماذا بقيت طرابلس، المدينة الثانية في لبنان، بكل ما تملكه من موقع ومرفأ وتاريخ وطاقات بشرية، أسيرة الفقر والبطالة والوعود المؤجلة؟
ولماذا بقيت بعلبك، صاحبة أحد أعظم الإرث الحضاري في العالم، خارج مشروع تنموي يليق بتاريخها وموقعها وقدراتها؟
تتردد رواية في الأوساط السياسية والشعبية عن وجود اعتراض أميركي غير معلن على تطوير مناطق مثل طرابلس وبعلبك، انطلاقًا من نظرة جيوسياسية تعتبرهما جزءًا من المجال المتصل بسوريا.
لكن الصحافة لا تبني أحكامها على الروايات.
حتى الآن، لا توجد وثيقة أميركية معلنة تثبت وجود قرار رسمي يمنع تطوير المدينتين، ولذلك لا يجوز تحويل الكلام المتداول إلى حقيقة.
لكن السؤال الأخطر يبقى قائمًا:
إذا لم يكن هناك قرار خارجي يمنع نهضتهما، فمَن الذي فعل؟
الجغرافيا… حين تُختزل في ملف أمني
طرابلس وبعلبك مدينتان لبنانيتان تقعان في جغرافيا مفتوحة، وترتبطان تاريخيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بمحيطهما الإقليمي. وهذا، في أي دولة تعرف كيف تفكر، يجب أن يكون عنصر قوة؛ فالمدن القريبة من الحدود تتحول عادة إلى مراكز للتجارة والاستثمار والعبور والترانزيت.
أما في لبنان، فقد تحولت الجغرافيا إلى عبء، والحدود إلى مصدر قلق، والموقع الاستراتيجي إلى ملف أمني بحت.
وهنا يكمن أصل المشكلة: حين تنظر الدولة إلى مدينة من زاوية الأمن فقط، فإنها تتوقف عن رؤيتها من زاوية التنمية، وحين يصبح المواطن مجرد بند في تقرير أمني، تختفي حقوقه التنموية من الموازنة العامة.
طرابلس… إمكانات هائلة ومشاريع حبيسة الأدراج
طرابلس لم تكن يومًا بلا إمكانات، لكنها تُركت طويلًا بلا مشروع يوازي قدراتها، والشواهد الواقعية على هذا الإهمال ليست وجهة نظر، بل أرقام ومؤسسات معطلة:
* المنطقة الاقتصادية الخاصة: المقرة بقانون رسمي منذ عام 2008، والتي كان مقدرًا لها أن تكون محركًا استثماريًا يضخ آلاف فرص العمل ويستقطب رؤوس الأموال، بقيت أسيرة المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقلات الإدارية التي حوّلتها إلى مجرد حبر على ورق.
* معرض رشيد كرامي الدولي: التحفة المعمارية التي صممها المهندس العالمي “أوسكار نيماير”، والتي أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي المهدم والمهدد بالخطر، لا تزال تفتقر إلى ميزانية تشغيلية وإرادة استثمارية جادة تحول مساحاتها الشاسعة إلى مركز اقتصادي وثقافي دائم.
* مرفأ طرابلس: المرفأ صاحب الغاطس الأعمق والموقع المؤهل إقليميًا، يُترك بلا خطة لوجستية وطنية شاملة تربطه بشبكة السكك الحديدية والخطوط العابرة للحدود، ليبقى عمله دون قدرته الاستيعابية الحقيقية.
المشكلة ليست في أن طرابلس عاجزة، بل في أن الدولة تعاملت معها على أنها مدينة يجب احتواء أزماتها أمنيًا، بدلاً من إطلاق قدراتها اقتصاديًا. وهذا هو الفارق بين دولة تبني المستقبل وسلطة لا تجيد سوى إدارة الأزمات.
بعلبك… حين يصبح التاريخ بلا اقتصاد
قصة بعلبك لا تقل قسوة؛ فالعالم يعرف آثارها، والتاريخ يحفظ اسمها، لكن الدولة اللبنانية فشلت في تحويل هذا الإرث الحضاري إلى مشروع اقتصادي مستدام:
* السياحة الموسمية المعزولة: القلعة المعلميّة المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو منذ عقود، اختُزلت التنمية فيها بمهرجانات موسمية خاطفة، دون بناء بنية تحتية سياحية وفندقية دائمة تحوّل الحركة السياحية إلى دورة اقتصادية يستفيد منها أبناء المدينة على مدار العام.
* إهمال القطاع الزراعي والتصنيع: يمتد سهل البقاع ليكون السلّة الغذائية لبلد كامل، لكن غياب الرؤية للتحول نحو التصنيع الغذائي، وغياب منظومات الري الحديثة والدعم التسويقي الرسمي، حوّل المُزارع البقاعي إلى خاسر دائم ومستدان.
فالتاريخ وحده لا يطعم الناس، والآثار مهما كانت عظيمة، لا تصنع فرص عمل إذا لم تكن هناك دولة تعرف كيف تحوّل القيمة الثقافية والجغرافية إلى اقتصاد حقيقي.
من يعطل التنمية فعليًا؟
نعم، الخارج مؤثر في لبنان، والولايات المتحدة – كما غيرها من القوى الدولية والإقليمية – جزء من المشهد السياسي اللبناني الممتد. لكن تحويل الخارج إلى المتهم الوحيد هو أفضل خدمة يمكن تقديمها للطبقة السياسية اللبنانية؛ لأن السؤال الذي يجب أن يُطرح أولاً هو:
* ماذا فعلت الدولة اللبنانية بنفسها؟
* من عطّل التعيينات والمشاريع في المرافق الحيوية؟
* من أبقى الخطط التنموية حبيسة الأدراج؟
* من حوّل التنمية إلى وعود انتخابية موسمية؟
* من جعل المواطن محتاجًا إلى الزعيم السياسي، بدلاً من أن يكون محميًا بمؤسسات الدولة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى نظريات؛ إنها موجودة في واقع الناس: في الشوارع المهملة، وفي معدلات البطالة المرتفعة، وفي طوابير الهجرة، وفي مدن تنتظر الدولة… ولا تأتي.
الفيتو اللبناني الداخلي
ربما لا يوجد “فيتو أميركي” معلن، يمنع إعمار طرابلس أو بعلبك، لكن هناك بالتأكيد فيتو لبناني مزمن على الإنماء العادل.
فيتو صنعته المحاصصة، وكرّسته المركزية المالية والإدارية الشديدة، واستفادت منه طبقة سياسية تعلم تمامًا أن المواطن المستقل اقتصاديًا أصعب في السيطرة والارتهان من المواطن المحتاج. ولهذا بقيت مناطق كثيرة تدور في الحلقة المفرغة ذاتها: فقر، فوعود، فانتخابات، فانتظار، ثم فقر من جديد.
الحقيقة التي يجب أن تُقال
طرابلس ليست مشكلة، وبعلبك ليست مشكلة؛ المشكلة في دولة لم تعرف كيف ترى فيهما فرصة وطن. وفي سلطة قرأت الأطراف بعين أمنية أكثر ممّا قرأتها بعين اقتصادية وإنسانية.
من حق الناس ومن واجب الصحافة أن تسأل عن الدور الخارجي، لكن واجبها الأهم ألاّ تمنح السياسيين فرصة للهروب خلف شجاعة “المؤامرة الخارجية”، بينما سجلّهم الداخلي مليء بالإهمال والفشل.
إذا كان هناك قرار خارجي يمنع نهضة طرابلس أو بعلبك فليظهر الدليل، أما الدليل الموجود أمام اللبنانيين كل يوم فهو أن عقودًا مرّت ومدنًا كاملة بقيت تنتظر حقها الطبيعي في التنمية.
القضية لبنانية أولاً؛ قضية دولة تفهم معنى حماية وإثمار حياة الناس الذين يعيشون في الداخل. فالمدينة التي تُترك للفقر يموت الأمن فيها، والشباب الذين يُتركون بلا مستقبل لا يصبحون أكثر ارتباطًا بوطن لا يمنحهم فرصة.
طرابلس وبعلبك تحتاجان إلى دولة: دولة ترى المرفق قبل الأزمة، وترى التاريخ قبل الخطاب وترى الإنسان قبل الحسابات الضيقة.
أما الاستمرار في تركهما حائرتين بين الجغرافيا والسياسة والانتظار فليس قدرًا… إنه قرار سياسي ولكل قرار أصحاب ولا بد أن يُسألوا عنه.
