عندما تصبح الشهرة هي القيمة… هل ماتت الموهبة؟
سمر قره

في يومياتنا، بات البريقُ أهمَّ من الجوهرِ والانتشارُ أسرعَ من التأثيرِ. تبدّلت المعاييرُ حتى صارَ الصدى يُسمعُ أكثرَ من الصوتِ ذاته. لم نعدْ نسائلُ عمّا يُقالُ، بل كم مرةٍ قيلَ، ومن قالهُ، ومن شاهدهُ. وهنا، وسطَ هذا التشويشِ الجماهيريّ، باتَ من الواجبِ أن نتوقفَ ونسألَ:
هل ما زالتِ الموهبةُ تعني شيئًا؟ أم أنّنا نعيشُ عصرًا تُختصرُ فيه القيمةُ بعددِ الإعجاباتِ، لا بعمقِ الإبداعِ؟ هل ما زالتِ الموهبةُ تُثمرُ في أرضٍ تحتلّها الضوضاءُ؟ هل ما زالتِ الفكرةُ العميقةُ تملكُ فرصةً في عصرٍ تتصدّرهُ «اللقطةُۜ»؟ وهل نعيشُ لحظةَ تحوّلٍ ثقافيٍّ جذريٍّ، أم مجرّدَ موضةٍ عابرةٍ تعصفُ ثمَّ تنكفئُ؟
تلك أسئلةٌ كثيرةٌ، لكنها ضروريةٌ لكلِّ مهتمٍّ بالشأنِ الثقافيِّ، ولكلِّ مبدعٍ لم يَعُدْ يَعرفُ ما إذا كانَ عليهِ أن يُبدعَ… أم أن يُلفتَ الانتباهَ فحسبُ.
مفترق الطرق: الفن بين الأصالة والضوضاء
عندَ مفترقِ القرونِ، وقفَ الإبداعُ متردّدًا، لا يدري إن كانَ ما زالَ يُصغي لهُ أحدٌ. كانَ الفنُّ يتنفسُ من رئةِ الفكرةِ، وكانَ الأدبُ يسيرُ على قدمِ الحكمةِ… ثمَّ جاءَ زمنٌ يُصفّقُ فيه الملايينُ لراقصٍ على منصةٍ، ويعبرُ فيه شاعرٌ جليلُ المعنى دونَ أن يلتفتَ إليهِ أحدٌ.
فمَن الذي تغيّرَ؟ هل تراجعتِ الموهبةُ، أم أنَّ العالمَ قرّرَ ألّا يراها؟ وهل نحنُ فعلًا أمامَ موتٍ إبداعيٍّ ناعمٍ، أم أمامَ مرحلةِ إعادةِ تعريفٍ للنجوميةِ والإنجازِ؟
هذا السؤالُ يخصّنا جميعًا كمجتمعٍ يختارُ نجومَهُ كما يختارُ وجباتهِ: بسرعةٍ، وبلا وعيٍ غذائيٍّ. فمنذُ متى أصبحتِ الشهرةُ دليلَ جودةٍ؟ ومنذُ متى صارَ عددُ «المتابعينَ» شهادةَ تفوّقٍ؟ وأينَ ذهبَ أولئكَ الذينَ كانوا يُبهروننا بما يقولونهُ… بما يُشبهنا ويعلو بنا في آنٍ؟
ثقافة الخوارزميات: من العمق إلى التفاعل
لقد تغيّرَ مقياسُ القيمةِ… السوقُ صفّقَ لمَن يبيعُ أكثرَ، وغضَّ بصرهُ عمّن يُبدعُ أكثرَ. لم تعدِ الكلمةُ تصنعُ مجدها من معناها، بل من قابليتها للانتشارِ؛ ولم يعدِ الفنُّ وليدَ الحاجةِ الداخليةِ للقولِ، بل أصبحَ ابنَ الخوارزمياتِ وذكاءِ الاصطناعِ الجماهيريِّ.
في الماضي، كانَ الكاتبُ ينحتُ على الورقِ بأسنانهِ، وكانَ الفنانُ يكدحُ ليُلقيَ بصرخةٍ واحدةٍ تُشبهُ الإنسانَ. اليومَ، صارَ المشهدُ يُشبهُ مزرعةَ أصواتٍ لا قصيدةَ وجدانٍ. صارَ المعيارُ رقميًّا باردًا، لا يعترفُ بالذكاءِ العاطفيِّ ولا بالفكرِ المركّبِ، بل يُكافئُ مَن يتقنُ فنَّ «التفاعلِ».
دخلتْ وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ المشهدَ الثقافيَّ كمَن يُشعلُ شمعةً في ظلامٍ، ثمَّ ما لبثَ أن أحرقَ بها بيتَ المعنى. لقد بشّرنا البعضُ بعصرِ «الديمقراطيةِ الرقميةِ»، حيثُ يستطيعُ كلُّ صاحبِ صوتٍ أن يُعبّرَ، وكلُّ مبدعٍ أن يجدَ مَن يسمعهُ. لكنَّ الواقعَ لم يكنْ بهذهِ البراءةِ.
فبينما الموهوبونَ يبحثونَ عن ضوءٍ، كانَ البارعونَ في صناعةِ الوهجِ قدِ احتلّوا المشهدَ. تحوّلَ العالمُ الافتراضيُّ إلى سوقٍ صاخبٍ، فيهِ تُباعُ «الكاريزما اللحظيةُ» بسعرٍ أعلى من الفكرِ المُتقنِ، وفيهِ يُكافأُ مَن يُجيدُ الرقصَ على حسابِ مَن يُجيدُ النّحتَ في اللغةِ أو الفكرةِ.
صارتِ الصورةُ تُغني عن أيِّ محتوى، وصارَ «الترندُ» ديكتاتورًا ثقافيًّا، لا يعترفُ إلا بمَن يُسلّيهِ، ولو على حسابِ وعيهِ. وفي هذا السياقِ، لم تَمُتِ الموهبةُ، لكنها خُدّرتْ، وأُجبرتْ على التراجعِ، في عالمٍ لا يقرأُ، بل يمرّرُ إصبعهُ فحسبُ.
الموهبة ليست ميتة: دعوة إلى الإصغاء والعمق
لكنْ، هل اختفتِ الموهبةُ حقًّا؟ أم أنّها، ككائنٍ خجولٍ، تراجعتْ إلى الظلِّ تنتظرُ لحظةَ إصغاءٍ؟
أنا أرى أنَّ الموهبةَ لم تَمُتْ، بلِ ارتدتْ ثوبَ التريّثِ. ابتعدتْ عن الضوءِ الاصطناعيِّ، وراحتْ تُعيدُ تشكيلَ ذاتها في مختبراتِ الروحِ، بعيدًا عن زحمةِ «الإعجابِ الفوريِّ» و«اللايكاتِ العابرةِ».
فالذينَ يكتبونَ بصدقٍ ما زالوا بيننا، لكنهم لم يعودوا يصرخونَ في المهرجانِ، بل يتهامسونَ في الزوايا. والذينَ يرسمونَ المعنى على جدارِ الزمنِ لم يتوقفوا، لكنّهم يكتبونَ في دفاترهم ويخبئونَها للزمانِ.
لقد تكيّفتِ الموهبةُ بالصمتِ، لا بالمنافسةِ، بل بالتمايزِ. إنها لا تزالُ هناكَ، ولكنْ علينا أن نبحثَ عنها بعينٍ أخرى، لا ترى العددَ، بل الأثرَ.
ولعلَّ السؤالَ الحقيقيَّ ليسَ: هل ماتتِ الموهبةُ؟ بل: هل ما زالَ فينا مَن يُصغي لها إذا تكلّمتْ؟ في زمنٍ يُشبهُ ساحةَ سيركٍ دائمةٍ، حيثُ يعلو التصفيقُ لمَن يقفزُ أكثرَ، ويغمضُ الجفنَ أمامَ مَن يُفكّرُ أعمقَ، تبدو الموهبةُ كأنّها تمشي على رؤوسِ أصابعها، تخشى أن تُقاطعها ضوضاءُ اللاشيءِ.
لكنّنا، نحنُ الذينَ ما زلنا نؤمنُ بالكلمةِ، بالفكرةِ، بالصوتِ الصادقِ، نحملُ مسؤوليةَ الإصغاءِ، بل ومسؤوليةَ الدفاعِ عن الموهبةِ من التشويهِ، عن الفنِّ من التهريجِ، عن الثقافةِ من التحوّلِ إلى سلعةٍ رخيصةٍ تُستهلكُ في عجالةٍ وتُرمى.
إنَّ إعادةَ الاعتبارِ إلى الموهبةِ ليستْ حربًا على الشهرةِ، بل معركةٌ من أجلِ العمقِ، من أجلِ أن يبقى الإنسانُ إنسانًا، لا رقمًا في قوائمِ المتابعةِ، ولا صورةً تُنسى بعدَ تمريرِ إصبعٍ.
فلنرفعْ قليلًا منسوبَ الذوقِ، ولنُبطئْ قليلًا سرعةَ الانبهارِ. ربما، فقط ربما… تجدُ الموهبةُ مكانًا تستحقّهُ تحتَ هذا الضوءِ المضلّلِ.
