عندما يتحوّل الطالبُ زبونًا – كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير العالمية

عندما يتحوّل الطالبُ زبونًا

كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلّة العالـمية

«رزقالله لَمّا كان الخوري يعلّم تَحت السنديانة».

حتى في ظل الحكم العثماني، يوم كان مَمنوعًا على المواطن أن يتعلّم، كي يبقى حاضرًا للعمل بالسّخرة، وجاهلاً عن المطالبة بِحقوقه من المحتلّ، كان خوري الضيعة يَجمع الأولاد تَحت السنديانة، ويعلّمهم ولو في غفلةٍ عن عيون العسكر العثماني المحتلّ.

ومع ذلك، استطاعت مدرسة «تَحت السنديانة» أن تُخرّجَ كبار رجالاتِ وطن الحرف والكلمة، وعلى يد كاهن رسول!

اليوم بنى رجال الدين- من الأديان جَميعها- صروحًا للتعليم، ولكن لم يعد يستطيع ابن الفلاح الذي تعلّمَ أجدادُه تَحت السنديانة، ان يدخل إلى هذه الصروح التعليمية في زمن العملة الصعبة، وباتت المدارس والجامعات التي يديرها رجال الدين، حكرًا على الأغنياء وأولاد التجّار والزعماء وأتباع رجال الدين.

لم يتبدّل فقط مكان وشكل المدرسة، إنّما تبدّلت الغاية من وجودها، فتحوّلت إلى شركات تبغي الربح المادي، وتستقبل فقط مَن يستطيع أن يدفع، من دون أن تعطي المعلّم أتعابَه كما يَجب. فنحن لا نريد لَها أن تَخسر، ولكن في ظروف الحرب، مَمنوع أن تربَح إن كانت غايتها الرسالة، إنّما فقط تتقاضى كلفة التعليم.

فاسْمعوا يا أصحاب المدارس والجامعات التي تَدّعي الرسالة:

المطران يوسف الدبس، مؤسس مدرسة الحكمة في بيروت ورئيس أساقفتها، في نِهاية العام الدراسي الأول لِمدرسة الحكمة (سنة 1875م) في عهد الحكم العثماني، استدعى شقيقه الخوري يوسف الدبس (الذي كان يتولى الإدارة المالية والتنفيذية للمدرسة) ليراجعا حسابات السنة الدراسية الأولى. وعندما أظهرت الميزانية أن المدرسة حققت ربحاً صافياً قدره ليرة ذهبية واحدة بعد سداد كافة المصاريف والتكاليف، أبدى الخوري سروره بِهذا الإنْجاز. حينها انتهره المطران يوسف الدبس بعبارته التوبيخية والتربوية الشهيرة:

«كيف يَحقّ لنا أن نربح ليرة ذهبية؟ هل الحكمة هي من مال أمك وأبيك؟!»

وأمره بوضع الليرة الذهبية في صندوق المدرسة لاستثمارها في خدمة الطلاب والمؤسسة، مؤكداً أن رسالة التعليم ورسالة الحكمة هي خدمة غير ربْحية وليست تِجارة.

وبالمقابل، رؤية الدولة «بعيدة النظر»، تقفل المدارس في زمن الحرب والجوع والحرمان، من أجل تصحيح جداول الحسابات في خزينة الدولة. هذا لأنّ الرؤية التربوية في عصرنا، لا ترتكز على الإنسان، بل على الزبون! ودولتنا تعتبر المعلّم موظّفًا غيرَ مُنتِج، كما فعلت بالعسكر الذي تعتبره لعقود بأنه موظّف غير ُ مُنتِج.

وهكذا، تتراجع الدولة، عندما يتراجع فيها الأمن والتربية. فكيف لوطن العباقرة أن يتحوّل إلى وطن إهْمال حقوق العسكريين في مقابل رفع معاشات السياسيين؛ كما وإهْمال حقوق المعلّمين وإقفال المدارس وتَهجير الأدمغة، باعتبار أنّ التربية والتعليم قطاعٌ غيرُ مُنتِج؟!

ما هو المنتج برأي هذه الدولة؟ هل أداء السياسيين الذين أفلسوا البلد هو أداء مُنتِج؟ وهل ما زالت الدولة تُحافظ على الفاسدين ولا تقفل دكاكينَهم، باعتبارهم منتجين على صعيد سياسة الخراب؟!

كيف لِهذه الدولة من قيامة، ما دامت تضحّي بِحقوق حرّاسِها العسكريين، وفقهائها المعلّمين والمتعلّمين؟! هل انّ رؤيتها هي فقط الاستجداء من الدول الطامعة بِما تبقّى من سيادة في هذا الوطن؟!

هل يستطيع أحد أن يسأل وزارة التربية عن رؤيتها التربوية، في وطن الحرب؟!

هل تستطيع وزارة التربية أن تُخبرنا مَن يصنع الحرب، هل المعلّم والتلميذ والفلاح والمحامي والإعلامي والمهندس… أَم الذين يَحكمون البلد ويُلحِقون به الحروب والمجاعة والقهر والحرمان؟!

فيا أسياد القرار في وطننا، لن يبقى أحد من شبابنا في وطن الرسالة، بعد أن حوّلتُم الطالب إلى سلعة مُربِحة على طاولات الصيارفة، من رجال دينٍ ودنيا… جَميعُكم سواسية، متآمرون على شعبٍ أردتُموه مريضًا كي يبقى بِحاجة لاستجداء الدواء! وفي المستقبل القريب، ستتحوّل صروحُكم التربوية إلى قلاع فارغة من المواطن، وتعتمد في تشغيلها على المرتزقة التي ستحكم الوطن في المستقبل القريب.

رؤية رسـميّة فاشلة، ورسالة تربوية حوّلت الطالب إلى زبون! فيجدر بنا أن نردّد ونقول: «رزقالله لَمّا كان الخوري يعلّم تَحت السنديانة»، فكانت التربية رسالة حتى في ظلّ الحكم العثماني!

فوزي عساكر