في كنف الدفء.. «أنتِ الحياة» تمنح الأمهات صباحًا يشبههنّ – سمر قرة / العالمية

في الوقت الذي تستعدّ فيه العائلات لاستقبال عام دراسي جديد، بما يحمله من مسؤوليات وضغوط وتفاصيل لا تنتهي، اختارت منظمة «أنتِ الحياة» (Women Alive)، برئاسة السيدة غنوة شندر، أن تلتفت إلى المرأة نفسها؛ إلى الأم التي تنشغل بالجميع، حتى تنسى أحيانًا أن لها هي أيضًا حقًا في أن تتوقّف قليلًا، وتلتقط أنفاسها، وتصغي إلى صوتها الداخلي.

في صباح الأربعاء 9 أيلول 2026، فتحت شندر مقرّ المنظمة أمام مجموعة من الأمهات في لقاء حمل عنوان «صباح دافئ للأمهات»، ضمن جلسة رعاية ذاتية امتدت من العاشرة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا.

لم يكن الصباح مزدحمًا بالبرامج أو الشعارات. كان بسيطًا، حميمًا، يشبه الحاجة التي جاءت النساء من أجلها: فنجان قهوة، رائحة لافندر، موسيقى هادئة، أحاديث تلقائية، ومساحة صغيرة بعيدًا عن صخب المسؤوليات.

وتأتي مبادرة Women Alive في إطار دعم النساء، ولا سيما الناجيات من سرطان الثدي، غير أن هذا الصباح حمل وجهًا آخر من وجوه الاهتمام بالمرأة؛ أن تُمنح مساحة لا تكون فيها مطالبة بالعطاء، ولا بتلبية احتياجات الآخرين، بل بأن تكون هي فقط.

كانت الجلسة دعوة هادئة إلى التوقّف عن الركض قليلًا، والنظر إلى الداخل، والجلوس أمام تلك المرآة التي كثيرًا ما نؤجّل الوقوف أمامها.

امرأة تحمل يومها على كتفيها

خلف كل أمّ حكاية لا تُروى كاملة.

امرأة تتابع أبناءها، وتحمل هموم العائلة، وتفكّر في الغد، وتدير تفاصيل البيت والحياة، وتمضي من مهمة إلى أخرى حتى يصبح التعب جزءًا مألوفًا من يومها.

لهذا بدا منحها ساعتين من الدفء والإنصات أكثر من مجرد نشاط عابر؛ كان تذكيرًا بأن المرأة التي تمنح الجميع وقتها، تحتاج هي أيضًا إلى وقت.

في كنف المكان، خفّت وطأة الأدوار قليلًا.

جلست الأمهات بعيدًا عن صرامة الواجبات، وتبادلْن الأحاديث عن أنفسهنّ، وعن تفاصيل الحياة، وعن الماضي والحاضر وما يخبّئه المستقبل. أسئلة كثيرة، ومشاعر مؤجلة، وقلق يشبه قلق كثير من النساء، وجد طريقه إلى الكلام ببساطة ومن دون تكلّف.

قهقهة هنا، وحكاية هناك، وشكوى عابرة، وذاكرة تستيقظ، وسؤال يفتح سؤالًا آخر…

وبين جملة وأخرى، كانت المسافة بين امرأة وأخرى تضيق.

فالمرأة هنا سندٌ للمرأة.

وحين تجد المرأة من يصغي إليها من دون أن يحاكمها، يصبح الكلام أخفّ، ويصبح التنفّس أسهل.

حين يصبح التنفّس مساحة للراحة

ومن أجمل محطات اللقاء فقرة التنفّس والاسترخاء، التي أرادتها شندر مساحة للراحة النفسية واستعادة الهدوء، رافقتها موسيقى هادئة وصوتها الذي أضفى على اللحظة شيئًا من الطمأنينة

هناك، لم يكن التنفّس مجرّد تمرين؛ بدا كأنه تذكير بما تنساه المرأة وهي تركض خلف تفاصيل الحياة: أن لها هي أيضًا الحق في أن تتوقّف، وأن تستريح، وأن تلتقط أنفاسها.

وفي ذلك الصباح، لم تكن القهوة هي الضيافة الوحيدة؛ كان الإنصات هو الضيافة الأجمل.

فالمرأة لا تحتاج دائمًا إلى حلول جاهزة، بقدر ما تحتاج إلى مساحة تشعر فيها بأنها ليست مطالبة بأن تكون قوية طوال الوقت.

تحتاج إلى من يقول لها، بحب ومن دون أحكام:

يمكنكِ أن تتعبي.

يمكنكِ أن تتكلمي.

ويمكنكِ أن تكوني أنتِ.

رعاية المرأة تبدأ من الإصغاء إليها، من هنا اكتسب اللقاء معناه الأعمق.

فالاهتمام بالمرأة لا يكون فقط عبر البرامج والمشاريع والخدمات، بل يبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء: أن نمنحها وقتًا، ومكانًا آمنًا، ورفقة تشبهها، وحقًا مشروعًا في أن تستريح.

وحين تجد المرأة مساحة آمنة تلتقي فيها بنساء أخريات، تكتشف أنها ليست وحدها في مخاوفها، ولا في تعبها، ولا في أسئلتها اليومية.

وهذا تحديدًا ما منحته «صباح دافئ للأمهات»: مساحة مؤقتة خرجت فيها النساء من أدوارهنّ المعتادة، ليجلسن ببساطة كنساء، يتحدثن، يضحكن، يستمعن، ويتنفّسن.

انتهى الصباح كما بدأ؛ ببساطة تشبه الحياة الحقيقية.

غادرت السيدات المكان وهنّ يحملن أكثر من فنجان قهوة وأكثر من حديث عابر؛ حملن لحظات من الألفة، وشيئًا من الخفّة التي تحتاجها الروح قبل أن تعود إلى الركض.

وربما لا تغيّر جلسة واحدة العالم، لكنها قد تغيّر يوم امرأة.

وأحيانًا، يكون تغيير يوم امرأة متعبة، ومنحها ساعتين تشعر فيهما بأنها مرئية ومسموعة وليست مطالبة بشيء، شكلًا حقيقيًا من أشكال الحياة.