كان هناك وطن. (كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالـمية)

في ليالي أيار، يَحلو لكَ المشي في أحياء الضيعة، يرافقك من دون استئذانٍ ضوءُ قمر نوّار، الذي يتسلّل بين البيوت، يسهر مع الساهرين، ويضيء عتمةَ الأحياء الساكنة.

رحتُ في إحدى ليالي أيار أتَمشّى بين تلك الأحياء، فلفتني صوت موسيقى العيد في بيت جارتنا، التي تعيش وحيدةً منذ ستٍّ وعشرين سنة. اقتربتُ قليلاً، فلمحتُ من النافذة شُموع العيد على قالب الحلوى، وجارتنا تَحتفل بعيد زواجها، وهي كانت قد تطلّقت منذ ستٍّ وعشرين سنة. ففوجئتُ وطرقتُ الباب أسألها: «كيف تَحتفلين بعيد زواجكِ وأنتِ مطلّقة، فلا زوجَ لكِ ولا عيد؟» أجابت: «في إحدى ليالي أيار منذ ستٍّ وعشرين سنة، كان لي رجلٌ، تطلّقتُ منه، وأنا أستعيدُ الذكريات، فأحتفلُ فوقَ نكبتي، لأنني في تلك الأيام لم أكن أعرف معنى النعمة التي كنتُ أعيشها.»

وفي الصباح التالي، تذكّرتُ أننا في الخامس والعشرين من أيار، وقد أصدرت الحكومة مذكرةً بعطلة عيد التحرير… ولكن بعد ستٍّ وعشرين سنة وفي غياب ذلك التحرير.

حَملتُ جعبتي، وانطلقتُ ورفاقي في مسيرةٍ نَحو الأراضي المحررة، التي من أجلها صار عندنا عيد للتحرير. فمررنا بضاحية بيروت، نفتش عن أناسٍ كانوا يعيشون في بيوتٍ دافئة، وقد مات بعضهم، وهجر بعضهم، وصارت بيوتُهم ركامًا. وتابعنا نَحو الجنوب، هذا الجنوب الغالي، الذي غنّت له فيروز والرحابنة وجوليا والشعراء وأطفال المدارس… الجنوب، أرض العنب وأجاجين النبيذ من عرس قانا… الجنوب، أرض الزيتون وعين المسيح… البساتين التي افترشها السيد المسيح وتلاميذه، يبشّرهم بِخلاص البشرية… مغارة مغدوشه حيث كانت تنتظره أمه قادمًا من أرض اليهود الذين اضطهدوه وصلبوه… الجنوب المحرر منذ ستٍّ وعشرين سنة على أيدي أهله وبدماء شهدائه… ولكن… لم أتعرّف على مدن وقرى الجنوب، فكلّها ركام وحطام في يوم عيد التحرير… لم أجد فيها أناسًا يتوجّعون ويبكون وينتصرون ويَحتفلون… جَميعهم رحلوا، وطحنوا معهم كلّ الذكريات. هؤلاء الذين كُتِبَ عليهم أن يَموتوا كلّ يومٍ آلاف المرات، ولا يعرفون مَن يقرّر موتَهم أو حياتَهم، فقد تعدّدت الجهات التي تتصارع على النفوذ فتحرقهم وقودًا في مدفأة المفاوضات والمعاهدات والأطماع الدولية والإقليمية، ولا أحد يسألهم إن كانوا مستعدّين أن يَموتوا!

ففوجئتُ برجلٍ عجوزٍ يَجلسُ على بقايا حافةٍ لبقايا منـزل. سألتُه عمّا يفعل وحده هناك. أجابني: «في كلّ عام، كنتُ أنتظرُ عيد التحرير هنا في البيت الذي أعدتُ بناءه عشرات المرات. وأقطف المواسم من أرض البركة. ولكن في هذه السنة، لم يبقَ أحدٌ من أهل بيتي لأحتفل معه بالعيد. دلّوني أين أجد عائلتي لتستعيد العيد. كلّهم رحلوا، وأنا صرتُ حارسَ التراب، وأجسادهم في التراب، ولكن لا أعرف أين! لأنّ وطني صار ترابًا… فهل بقي لي عيدٌ لأحتفلَ بالعيد؟! إذهبوا وقولوا للمسؤولين عندكم: قرارات الورق لا تسترجع العيد! كنتُ أرفعُ علمي هناك على التلة مقابل ركام بيتي، ولكن ها قد ارتفع هناك علمُ المحتلّ على دبّابة الميركافا مقابل بقايا ضيعتي. وأخبرَني المذيع من راديو الترانزيستور أننا انتصرنا… أمّا أنا ومَن بقي في عداد الأحياء، فلا نشعر في يوم العيد، إلاّ أنه كان هناك وطن!»

إنتفضَ العجوز وقال: «إذهبْ وأَخبِرْهم أنّ أهلنا في التراب، وأرضنا احتلّها العدوّ ودمّرها ودمّر كلّ الذكريات فيها، وقد نكون انتصرنا كما أخبرنا المذيع، ولكن قد سرقوا مِنّا العيد، ونَحن في خيمةٍ، حيث كان هناك وطن!

فوزي عساكر