كمشة حكي .. بين المدرسة والمجزرة
سمر قرة

وصلتني بالأمس رسالة قصيرة من مدرسة ابنتي:
“التزامًا بقرار الرابطة بالتسكير والحداد غدًا على أرواح التلاميذ الشهداء، تعلمكم إدارة المدرسة أنّ يوم غدٍ الاثنين هو يوم إقفال. دمتم بأمان الله.”
رسالة عابرة، جافة في ألفاظها، لكن وقعها كان أثقل من أن يُحتمل. فهي تأتي على خلفية المجزرة الأخيرة في بنت جبيل، حيث سقط أب وأم وأطفالهما الأربعة شهداء في جريمة موصوفة، تضاف إلى مئات الاعتداءات التي تكرّرت منذ توقيع الاتفاق المزعوم على “وقف الأعمال العدائية”.
فأين المجتمع الدولي الراعي لهذا الاتفاق؟
أين القانون الدولي الذي يُفترض أن يحمي المدنيين؟
إلى متى ستظل دماء الأبرياء أرقامًا في تقارير لا تُقرأ، وجراحًا تُمسح من نشرات الأخبار ببرودة؟
ألا يحق للبنان أن يسأل: إلى متى سيبقى أرضًا وسماءً مكشوفَين أمام العدو، بلا حماية ولا ضمانات؟
لكن، لنعد إلى مضمون الرسالة…
إغلاق المدرسة يومًا واحدًا قد يبدو تفصيلًا أمام المأساة الكبرى، غير أنّه في عمق الأمر يُحيلنا إلى سؤال آخر:
هل يكفي أن نُغلق الأبواب ونُجلس الأطفال في منازلهم بحجة الحداد؟
ألم يكن أجدر بالمدارس أن تُبقي أبوابها مفتوحة، لتخصّص هذا اليوم لدرس وطني صادق، يحكي للتلاميذ عن معنى الوطن، عن العدو الذي يستبيح دماءنا، عن الحق والواجب، عن الشهادة ومعناها؟
ألم يكن أجدر أن يبدأ النهار بدقيقة صمت لأرواح الشهداء، ثم بحديث عن شهداء الأمس واليوم، عن قيمتهم وعن حقهم علينا، بدل أن يتربّى أطفالنا على ثقافة الإقفال والفراغ؟
ألم يكن أجدر أن يكون هذا اليوم درسًا في التربية الوطنية لا في العطلة الطارئة؟
لقد قال غسان كنفاني يومًا: “الأطفال هم الوردة والبذرة معًا، مستقبل لا يجوز أن يُذبح عند أول منعطف.”
لكن أطفالنا اليوم يُذبحون مرتين: مرّة بصواريخ العدو، ومرّة بإهمالنا وتقصيرنا في تنشئتهم على الوعي والمقاومة والمعرفة.
إنّ إغلاق المدارس في كل محطة مأساوية لم يعد فعل تضامن، بل صار فعل هروب.
الهروب من مسؤولية تثقيف جيل بأكمله على معنى أن يكون له وطن، أن يكون له شهداء، أن يكون له دور في حفظ الذاكرة الجماعية.
ما أخطر أن يترسّخ في أذهان التلاميذ أنّ الاستجابة للمأساة تعني ببساطة: “لن نذهب إلى المدرسة.”
هكذا، بدل أن نزرع فيهم الوعي، نزرع فيهم اللاجدوى.
لقد كتب جبران خليل جبران: “ويلٌ لأمة تكثر فيها المساكن وتخلو من البيوت، وتكثر فيها المعابد وتخلو من الدين، وتكثر فيها المدارس وتخلو من التعليم.”
ونحن اليوم، أمام مدارس موجودة شكلاً، لكنها تهرب من وظيفتها الجوهرية في التربية والتعليم.
فلتكن المدرسة وطنًا مصغّرًا، تُعلِّم الطفل أنّ الشهادة ليست غيابًا، بل حضورًا آخر. وأن الوطن ليس كتاب جغرافيا، بل دم يجري في العروق.
حينها فقط يصبح التعليم مقاومة، والمعرفة سلاحًا، والتلميذ مشروعًا لإنسانٍ يعرف أنّ دمه أثمن من أن يُحسب رقمًا في تقرير.
