كوتش من المريخ يشرح نساء الأرض – نجلاء عمري

في زمنٍ صارت فيه «الخبرة» تُقاس بعدد المتابعين، و «المعرفة» تختصر بريلز دقيقة ونصف، برزت ظاهرة جديدة تستحق التأمل: الكوتش الرجل الذي يشرح ويحلل النساء.

رجلٌ يتقدّم إلى الشاشة بثقةٍ مفرطة، بابتسامة محسوبة ولحيةٍ مهذّبة، ليخبر النساء عن أنفسهن. يخبرهن ماذا يشعرن، لماذا يغضبن، وكيف يفكّرن… وكأنّه اكتشف سرّ كيمياء الوجود.

المفارقة أن المرأة نفسها قد تقضي أياماً في محاولة فهم تقلباتها، صراعاتها، مزاجها، لتكتشف أنّها أحياناً لا تفهم نفسها. فإذا بها تُفاجأ برجلٍ غريب يعلن أنّه قرأ أعماقها، وألّف كتاباً في «قوانينها السرية».

لكن ما يغفله هؤلاء الكوتشز أنّ كل امرأة هي كيان مستقل بذاته، تحمل فلسفتها الخاصة في الحياة، ورؤيتها التي لا تشبه سواها. التغيرات الهرمونية وحدها تجعل التجربة مختلفة جذرياً من امرأة إلى أخرى، وحتى بين الأختين أو التوأم المتطابق، يبقى الفرق جليّاً بفعل التربية، والظروف الاجتماعية ، والخبرات. لا توجد «وصفة واحدة» للنساء، ولا وصفة موحّدة للروح الإنسانية.

أما الكوميديا السوداء فتكمن في أنّ هؤلاء المدّعين يختصرون النساء في معادلات سطحية:

        •       إذا قالت «ما بدي شي»، فالمعنى أنّها تريد كل شيء.

        •       إذا صمتت فهي غاضبة.

        •       وإذا تحدّثت كثيراً… فهي غاضبة أيضاً.

وكأنّ حياة المرأة، بكل ثرائها وتناقضاتها، لا تتجاوز عنواناً فرعياً في دورة تدريبية.

وعلى الضفة المقابلة، نجد أنّ الرجال، بحسب التجربة الشائعة، يكادون يتشابهون إلى حدّ التطابق. أولوياتهم تنحصر غالباً في ثنائية بائسة: الأكل والعلاقة الجنسية. كأنّ نصف البشرية نسخة مكرّرة، بأحلام متشابهة، واهتمامات محدودة، لا تتجاوز المعدة وما تحتها. وهنا تبلغ السخرية ذروتها: من يزعم أنّه يفكّ شيفرة المرأة، لم ينتبه أنّه يعيش في نسخة مملة من ذاته.

الواقع أبعد بكثير من هذا التبسيط الفج. المرأة عالم قائم بذاته، والرجل أيضاً يحمل في داخله تعقيداته الخاصة. لكن ما يجعل السخرية قائمة هو هذا الإصرار على اختزال كل جنس في «كليشيه» واحد، لتقديم حلول سريعة، وجمل لامعة، ومقاطع فيديو جاهزة للتداول.

وفي النهاية : يبقى السؤال

إذا كانت النساء أنفسهن لا يزلن في رحلة فهم ذواتهن، بتقلّباتهن وأفكارهن الفلسفية العميقة… فكيف لرجلٍ لم يفكّ بعد أسرار نفسه، أن يخرج علينا كل مساء ليخبرنا أنّه وجد «المفتاح السحري» لعقل المرأة ؟؟