لا تسأل عن الطقس، بل عن فاتورة النجاة! – كتبت سمر قرة / العالمية

في جلسةٍ عابرة على هامش اليوم المزدحم، سمعتُ أحدهم يقول مبتسمًا:

«شو حلو هالصيف؟ ما حسّينا فيه… أصلًا ما كان الشوب!»

ابتسمتُ بمرارة، وفكّرتُ في سرّي: كيف لجسدٍ يتقلب بين منزلٍ مكيّف، وسيارةٍ مبرّدة، ومكتبٍ بارد، أن يدرك قسوة الشمس؟ كيف للشمس أن تلسع من لا يقف على قارعة الطريق منتظرًا وسيلة نقلٍ تلتهم نصف أجره اليومي؟

في لبناننا الجميل، لم يعد المناخ مجرد ظاهرةٍ جوية، لأنه أضحى مرآةً صارخة للفرز الطبقي. الفصل نفسه لا يطرق أبواب الجميع بالطريقة ذاتها؛ فبينما يفتح البعض المكيّف وينسى وجوده، يقف آخرون أمامه بمزيجٍ من التردد والخوف، يطفئونه بعد دقائق لأن في أذهانهم وسواسًا قهريًا اسمه «فاتورة المولد التي لم تأتِ بعد».

أرقام تعصر الأرواح

إنها ليست مظاهر فردية، بل هي مع الأسف واقعٌ كشفت عنه تقارير البنك الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، والتي تشير إلى أن الفقر متعدد الأبعاد يطال أكثر من 70% من السكان، بينما تشهد الأسر غير المدوْلرة تآكلاً متواصلاً لكرامتها اليومية في ظل اقتصادٍ نقدِيّ مستشرٍ.

في أزقة المدن والقرى اللبنانية، تحوّلت الكهرباء إلى موعدٍ ثقيل مع الحساب:

 * كم ساعة مولّد اشتغلنا؟

 * كم أمبيرًا نملك؟

 * كم ارتفع سعر طن المازوت هذا الشهر؟

 * وهل يتبقى من الراتب ما يكفي لشراء دواء أو دفع أقساط المدرسة؟

تأمل معي المشاهد اليومية التي أصبحت تؤثث حياة «الطبقة المستورة»؛ تلك الشرائح التي تضم المعلم، والموظف، ورب الأسرة، ممن يعملون طوال النهار كي لا يمدّوا أيديهم، ويقتصدون بشدة كي لا ينكسروا:

 * في المنزل: أمٌّ تحاول التهوية عن طفلها في ليلةٍ خانقة بقطعة كرتون لأن ساعات الاشتراك انتهت، وأبٌ يعود متعبًا ليطرح السؤال الأشبه بالصفعة: «قدّيش صار اشتراك المولّد؟ ومن وين بدنا ندفع؟ وخففوا من إنارة البيت، وليه كل المراوح شغالة؟!»

 * عند الصندوق: رجلٌ يقف في السوبرماركت، يحمل علبة الجبن، يقرأ السعر، ثم يعيدها ببطء إلى الرف. يضع في العربة الأساسيات فقط: خبزًا، لبنة، بيضًا، ثم يعيد الحساب مرتين وثلاثًا قبل أن يصل إلى المحاسب.

 * في الصيدلية: المشهد أكثر قسوة. يتلقى المواطن سعر الدواء، يتنهد، ويسأل الصيدلي بصوت خفيض: «عندك شي أرخص؟ عندك بديل أقل سعرًا؟».. لا حبًا بالرخص، لكنه عاجزٌ عن ثمن الأغلى.

وهكذا يتحول «الاختيار» إلى «تدبير»، لأن الصورة الأكثر قسوة لهذه الأزمة تكمن في تحوّل مفهوم «الاختيار» إلى «تدبير»، وغروب شمس «الرغبة» لتصبح ترفًا مذمومًا.

تفتح المرأة خزانة ملابسها صباحًا لترقع ما لدى الخزانة وتكمل يومها هي وأولادها. وحتى «الكزدورة» البسيطة التي كانت تعوض الناس عن مشقات الأسبوع، أصبحت تحتاج إلى ميزانيةٍ محسوبة باللتر والدولار.

وعندما يحلّ الشتاء، تعود حلقة الخوف لتكتمل:

 * هناك من يسمع صوت المطر فيشعر بالرومانسية والحنين، ويعدّ فنجان قهوة ويسمع فيروز وهي تغني «رجعت الشتوية».

 * وهناك من يرفع عينيه بثقلٍ نحو السقف المتهالك، يترقب القطرة الأولى، ويبدأ رحلة البحث عن وعاءٍ يضعه تحته، محيطًا النوافذ بقطع القماش والثياب كي لا تتشكل السواقي في بيته.

فالمطر لا يكون رومانسيًا حين يتسلل إلى الفراش، والبرد ليس مجرد فصلٍ جميل حين تعجز الأسرة عن تأمين ثمن التدفئة.

طبقة غير مرئية.. وأنا واحدة منها

نعم، هناك طبقة غير مرئية وأنا واحدة منها..

هذه العائلات اللبنانية التي تعيش بهذه الطريقة ليست دائمًا في الشارع، لأن غالبيتها تعيش داخل بيوتٍ مرتبة ومحترمة. إنهم أناسٌ يخفون فقرهم كي لا يفقدوا كرامتهم، ويمارسون ضحكةً مستعارة وهم يؤجلون موعد الطبيب أو يعتذرون عن دعوةٍ اجتماعية لا يستطيعون تحمل كلفة النقل إليها.

لذا، لا نريد أن نسمع قولكم إن اللبناني «اعتاد» الأزمة. الإنسان لا يعتاد حقًا على العجز؛ هو فقط يتعلم كيف يواريه. يتعلم أن يقول «مش مشكلة» بينما يحترق من الداخل، وهو يعد أطفاله بـ «المرة الجاية» مع يقينه بأن تلك المرة قد لا تأتي قريبًا.

كلمتي الأخيرة

لا تقِس حياة الناس من نافذة بيتك المكيّفة أو الدافئة؛ فقد يكون الجو معتدلاً عندك بينما هناك من يحترق، وقد يكون المطر جميلاً في عينيك بينما هو طوفانٌ يهدد سقف غيرك.

الفصل واحد، والشمس واحدة، والمطر واحد..

لكن في لبنان، للأسف، حتى القدرة على تحمّل الطقس أصبحت مرتبطةً بالقدرة على تحمّل كلفته. ومن لا يشعر بحرّ الصيف أو برد الشتاء، فليس لأن الفصول تساهلت معه… بل لأن بينه وبين الشقاء مكيّفًا ودعمًا، وبين غيره وبينه وطنًا كاملاً من العجز!