ليش يا زياد؟!
صقر البعيني

صحا العالم بتاريخ السادس والعشرين من شهر تموز (يوليو) من العام ألفين وخمسة وعشرين، على نبأ مفجع وهو رحيل عبقري من لبنان، عبقري بكل ما للكلمة من معنى، يقول كلمته الحقَّة دون خجلٍ أو وجلٍ، كلمته كانت نبراسًا للكثير من الأجيال. أقول أجيالاً لأنَّ أفكاره ليست حكرًا على جيلٍ واحد، بل تعدته إلى عدّة أجيال، كان يقول كلمته ويصمت، ولكن الشارع الشعبي والفني والنُقاد لا يسكتون، ويبقون في غليانٍ حول الفكرة أو الرأي الذي قاله ذاك العبقري.
رحل زياد…
رحل تاركًا وراءه محبين كثرًا من أهل الفن وأهل الصحافة والأناس المخلصين، حتى من انتقدهم من الفنانين والفنانات حزنوا عليه لأنّهم في قرارة انفسهم يعرفون بأنَّ انتقاده لهم كان في محلِّه وقد شكروه، ولو سرًّا، على انتقاده لهم لأنّه أظهر خطأً في أدائهم أو في انتقائهم للأغاني وصحّحوا مسارهم ومسيرتهم الفنّية بعد كلماته، فقد كان وجوده هامًا لكي ينتقد بموضوعية ما يحصل على الساحة الفنيّة.
لم يكن الراحل زياد الرحباني يهتم فقط بالأمور الفنيّة بل كان مهتمًا بالأمور الحياتية للشعب والأمور السياسيّة، فكان ناقدًا لاذعًا لطبقةٍ سياسيّة لا تهتمُّ بشعبها بل تزيد معاناتهم، فكانت أغانيه متنفّسًا مهمًا للشعب حيث تعبِّرُ عن معاناتهم إذ صارت تردِّدها مختلف الأجيال وتتغنى بها. ومن خلال ذاك النجاح المنقطع النظير فنِّيًا جاء هذا المقال، “ليش يا زياد؟”.
“ليش يا زياد؟” هو عتب على قدر المحبّة التي أكنُّها لفنِّه الراقي، عتبٌ عليه لأنَّه تلهَّى بأمورٍ غير فنِّية وحرم جمهوره ومحبِّيه من الألحان التي طالما انتظروها منه، ولكنَّه كان متلهِّيًا بأمورٍ حياتية وسياسيّة. فنّانون كُثر كانوا يتمنّون أن يأخذوا ولو لحنًا واحدًا منه كي يتوِّجوا مسيرتهم بعمل يرفع من شأنهم فنّيًا، ولكنّه لم يفعل، وكان العُذرُ دائمًا شركات الإنتاج والمنتجين. لكنّني على يقينٍ تام بأنَّه لو لوَّح أو أعلن بأنَّ لديهِ ألحانًا أو مسرحيّة ما، سيتهافت عليه المنتجون لأنّهم يعلمون جيّدًا ومسبقًا بأنَّ هذا العمل سينجح فنِّيًا وجماهيريًا. لا أنكرُ أنَّه ترك إرثًا فنِّيًا لا يُستهانُ به. طبعًا لا أتكلّمُ هنا على العدد، ولكن على النوعيّة التي لا يُمكنُ لزمنٍ أن يمحوَها. فبدّل التلّهي بالأمور التي لا يُمكن حلُّها، لأنَّ الكلام عنها يُشبه الجدل البيزنطي، كنَّا نتمنَّى كمحبِّي فن زياد أن نسمع ألحانه الهادفة التي تضعَ الإصبعَ على الجرح.
ولكن رغم عتبي الكبير عليه فنّيًا، لا يسعني سوى أن أترحّم عليه، لكن هو بالطبعِ لم يمت ولكنَّه خالدٌ في وجداننا بألحانه وأعماله الفنيَّة… رحمهُ الله.
