لِهكذا شعب، هكذا دولة
كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير «العالمية»

بعد عناء النهار من التأليف والكتابة والتخطيط، رحتُ أرافقُ إطلالة القمر مع ساعات المساء الأولى، في أحياء مدينتي الفاضلة، وفي غياب مصابيح الإضاءة على الطرقات، لأننا لسنا في زمن الانتخابات، ولا في مناسبة زيارة رئيس دولة إلى أحياء الفقراء!
مررتُ ببيت زعيم القبيلة، فرأيتُ أهل الحيّ متجمهرين أمام بيته، يُحدّقون بصورة الزعيم التي رفعها على الحائط، وأضاء لَها مصباحًا في زمن العتمة. وبسبب رطوبة الطقس، اعتقدَ المناصرون أنّ صورة الزعيم ترشَح زيتًا، في أعجوبة سياسية فريدة.
وأكملتُ طريقي نَحو حيٍّ آخر في مدينتي الفاضلة، فتكرّرَ أمامي المشهد ذاته، مع صورة زعيمٍ آخر في حيٍّ آخر مع مناصرين آخرين. ولكنّ الأعجوبة واحدة: صورةُ زعيمٍ ترشحُ زيتًا عجائبيّاً.
وفي العودة، التقيتُ بالجميع عند تَقاطُع الطرق، عائدين إلى منازلِهم المظلمة، وحياة العتمة التي لا تُضاءُ فيها إلاّ صورة الزعيم، التي يرشح فيها الزيت العجائبي في الأزمنة الانتخابية.
وفي اليوم التالي، فوجئتُ بِمظاهرة لِمناصري الزعيمين، تتّحد وتتضامن أمام قصر الحاكم، يُهوبرون ويطالبون الدولة برفع الظلم عنهم، فقد أطبقت العتمة على قلوبِهم، فيما صور الزعماء تُضاء في قفر الطريق.
طلّ الحاكم من شرفة قصره، فصمتَ الجميع مذهولين، تَجول في خاطرهم علامة استفهام: يبدو أنّ الحاكمَ إنسانٌ مثلنا، له عينان وفم وأذنان ويدان ورِجلان، وهو يسمع ويتكلّم! يا لَلأعجوبة الثالثة!!!
سألَهم الحاكم عن مطالبهم، فأوفدوا إليه رجلين من أزلام الزعيمين، يتكلّمان باسم الجماعة. ولكن ماذا طلب الرجلان؟!
- يا جلالة الحاكم، نَحن نعيش في الظلمة، وصور الزعماء مضاءة طوال الليل. فنسألكم باسم هذا الشعب، أن تنصبوا لنا خيامًا تَحت صور الزعماء المضاءة، كي نأوي إليها ليلاً، فلا نَمضي ليالينا في بيوتنا المظلمة!
فوجئ الحاكم، بأنّ شعبًا غافلاً لم يطلب أن تضيء الدولة بيوته في ليالي البرد والصقيع، إنّما اختصرَ طلبه بأن تنصب الدولة له خيامًا تَحت صور الزعماء المضاءة من جيوب الناس، فيبقى رهنًا لإشارة الزعيم.
إذا كان طلبُ الشعب الحصول على خيمة تَحت صورة الزعيم، عوضَ أن يطلبَ وطنًا لأولاده وأحفاده، فهذا شعبٌ غير جدير بالحياة. وإذا استجاب الحاكم طلبَ شعبٍ غافلٍ كشعب مدينتي الفاضلة، فهكذا شعبٌ يستحقُّ هكذا دولة!
الدولة تُبنى من تَحت إلى فوق، كما تُبنى القصور بِمداميك قوية في القاعدة، وترتفع فوقها المداميك حتى قبة القرميد. فلماذا تلومون الدولة الفاشلة، إنْ كان شعبُنا يرضى بالذلّ تَحت صورة زعيم، ولا يطالب بوقفةِ عزٍّ تَحت رايةِ وطن؟!
وفي الختام: لِهكذا شعبٍ، هكذا دولة!
فوزي عساكر
