ماذا بقي من الإسلام الأصيل؟
يوسف حيدر
قال الرسول الأعظم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء.»
(محمد جواد مغنية، نفحات محمدية ص 101)

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال، هو الجريمة النكراء التي ارتكبها إرهابي تكفيري بحق كنيسة مار الياس في سوريا، وذهب ضحيتها العشرات من المؤمنين الأبرياء المسيحيين.
أمام هذا الحدث/ المأساة، تساءلتُ عمّا أجبر هذا الإرهابي على ارتكاب هذه الجريمة؟
وتساءلتُ مرة أخرى: ما هو الدافع والهدف الذي دفعه إلى فعل ذلك؟
فإذا كان هذا المجرم يلتزم بشريعة الإسلام، والتقيّد بتعاليم القرآن، فالقرآن في هذه الحالة يغضب عليه ويلعنه كما يقول الله في كتابه الكريم: «ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا (سورة النساء الآية 93)
وإذا كان هذا التكفيري يحبّ الرسول ويقتدي بسيرته العطرة- كما يدّعي زورًا وبهتانًا- فالرسول براء من فعلته الشنيعة، لأنّ الرسول يتصف بصفات السمو والكمال ورفعة الأخلاق، وقد منحه الله وسامًا إلهيّاً عندما قال عنه مادحًا: «وإنك لعلى خلق عظيم» (سورة القلم/4) وما أرسله الله إلاّ لهداية البشرية بالحكمة والرحمة للناس «وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين. سورة النبياء/107»
وفي الواقع، قد كان عهد الرسول عهد خير وصلاح وبركة وتقوى، كما في قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت الناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». سورة آل عمران/110
فإذا كان القرآن يدعو للحياة الطيبة بما فيها من استقامة ومحبة وخير وتقوى وطمأنينة، وإذا كان الرسول يدعو للرحمة والتسامح والغفران والإخاء والمواطنة بين أطياف طوائف المجتمع، وحسن الجوار والتراحم والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين ومحاربة الفساد والرشوة والظلم والقتل والزنى والنميمة والطلب من المؤمنين العمل الصالح مقرونًا بالنوايا الخالصة لله، كما في الحديث الشريف: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. (مغنية… مصدر سابق صفحة 84). ويقول لهم أيضًا: «ما من شيء يقربكم إلى الجنة إلاّ أمرتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلاّ ونهيتكم عنه. (مغنية… التفسير الكاشف. ج 6 ص 61)
وهكذا كان الإسلام الأصيل في عهد الرسول، فما الذي حدث له حتى انقلب رأسًا على عقب بعد وفاته؟
وكان أول شرخ، ودقّ مسمار في نعش الإسلام هو عندما كان الرسول في حالة احتضار، وطلب قلمًا ودواة من الحاضرين ليكتب لهم شيئًا لا يضلّوا بعده، فانبرى أحد زعماء الصحابة قائلاً لهم: يكفينا القرآن، دعوه، إنه يهجر (أي يقول ما لا يعرف) فغضب الرسول لهذه الإهانة الشخصية وللإسلام، وقال لهم: «قوموا عنّي ودعوني بالذي أنا فيه!»
وكانت بداية الاختلاف هي إبعاد مَن يستحقون الخلافة بعد وفاة الرسول عن حقّهم الإلهي.
وثالث العصور الإسلامية من عصر الخلافة الراشدة إلى العصر الأموي والعباسي وكثر غيرها، وكثر فيها الاضطهاد والعصبية والظلم والقتل، وكثرت المذاهب والحزاب، وواكبها التقاتل والتناحر والتباغض، حتى أخذت تُكفِّر بعضها بعضًا. كما كثر فقهاء السلطان الذين يعملون بفتاويهم لصالح السلطان، من الملوك والسلاطين على حساب الإسلام والحقيقة والأخلاق. وبعض النماذج عن ذلك تدلّنا على ما حدث في الإسلام قديمًا وحديثًا.
فها هو تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني في عصر المماليك، يصدر فتوى بهدر دم الشيعة في لبنان، ويأمر بقتلهم لأنهم بعرفه كفرة. ومن تخلّص منهم من القتل نزح من كسروان وجبل لبنان إلى جزين والبقاع، تمامًا كما تفعل إسرائيل بحرب الإبادة بحق أهل غزة. وكما فعلت في لبنان وسوريا بمؤامرة أميركية وأوروبية، وبدعم مطلق لإسرائيل، بغية تمزيق العالم العربي والإسلامي، وتحويله إلى دويلات طائفية ضعيفة تحكمها إسرائيل والغرب. وما سبب ذلك هو تفكك زعماء العرب وتخاذلهم عن نصرة إخوتهم. ثم ظهرت الوهّابية في بلاد الحجاز على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بتعصبه وتطرّفه. ثم ظهرت القاعدة والدواعش في هذا العصر، والتي كانت صنيعة المخابرات الأميركية كما صرّحت بذلك وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس. وصدق مَن قال بأنّ «مِن كُتب ابن تيمية خرجت قنابل التكفير والقتل، كما حصل في 11 أيلول 2001، عندما فجّرت القاعدة بالطائرات أبراج التجارة العالمية في نيويورك، والتي تمثل قوّتها المالية، ومبنى البنتاغون رمز القوة الأميركية العسكرية. ولو أنّ الطائرة الثالثة بلغت هدفها المنشود، اي البيت الأبيض، لاستطاعوا أن يزيلوا مركز الديمقراطية عن وجه الأرض. (عبد الباري عطوان: القاعدة التنظيم السريّ. ص103)
وصدقت نبوءة الرسول عن إسلام ومسلمي آخر زمان، كما أخبرنا عنه الإمام علي، حيث قال: «يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من القرآن إلاّ رسمه، ومن الإسلام إلاّ اسمه. مساجدهم يومئذٍ عامرة في البناء، خراب في الهدى. سكانها وعُمّارها شرّ أهل الأرض، منهم تخرج الفتنة وإليهم تأوي الخطيئة. (نهج البلاغة… الجزء الرابع ص 727)
وهذا قطعًا ما فعلته القاعدة وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام وسواها.
وبعد… ماذا بقي من الإسلام الأصيل الذي تعب الرسول والمسلمون الأوائل معه في تثبيت صرح الشريعة ونشر حضارتها وتعاليمها السمحاء، في الأخلاق والمعاملة الكريمة والتضامن والأخوّة والإنسانية ومحبة الله والبشر؟
فهل يريدون بنا بأعمالهم الشنيعة القذرة أن نعود إلى عصور الجهل والظلام والجاهلية الأولى؟ ألا بئسَ ما يفعلون!
يوسف حيدر
