ما الذي يمنع؟
نبيل حرب

في بلدٍ نَصفهُ جنةُ الله على الأرض، ونصفه الآخر جحيمُ الإهمال والفساد…
في بلدٍ يتغنّى أهله بالأرز والقديسين والشهداء، لكنّهم ينامون على وجعٍ لا يزول، ويستيقظون على أسئلةٍ تُذلّ العقول قبل الجيوب…
نسأل، بمرارة المُحبّ لا بحقد الحاقد:
ما الّذي يمنع؟
ما الّذي يمنع أن يكون لبنان بلدًا طبيعيًا؟ بلدًا يملك أمنًا مستتبًّا، وسلطةً مسؤولة، وخدماتٍ تُشبه الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان؟
ما الذي يمنع المرافق الاقتصادية من النهوض؟ ألأنها نائمة في أحضان السماسرة والمحتكرين؟ أم لأنها رهينة الصفقات السوداء والسمسرات المذهّبة؟
لماذا لا تُطبع ملايين الطوابع الرسمية التي تحتاجها الدولة، وتُباع في الدوائر الرسمية بدل أن نشتريها من السوق السوداء بأضعاف ثمنها لتغني المافيات وتُفقِر الدولة؟
ما الذي يمنع؟
من تسيير معاملات العقارات وتسجيل الشقق للناس بسرعة وإنصاف؟ لماذا على المواطن أن يدفع من كرامته قبل ماله، ليحصل على توقيع بسيط؟
أليست التكنولوجيا كفيلة بتبسيط الإجراءات؟ أليست أونلاين في كل دول العالم؟ أين الدولة من هذا العصر؟ أم أن البطء مقصود، لأن في التأخير ربحًا للمرتشين و«السماسرة أصحاب المفاتيح»؟
ما الذي يمنع؟
أن نحصل على دفتر قيادة حقيقي؟ بطاقة ثمنها دولار بدل ورقة، لماذا يدفع المواطن أكثر من ٥٠٠ دولار، ليحصل في النهاية على ورقة لا تشبه حتى بطاقة مكتبة؟ أين تذهب الملايين التي تُجبى في هذا الإطار؟
وما الذي يمنع تسريع معاملات تسجيل السيارات؟ لماذا يقف الناس بالطوابير، كأننا في قافلة نزوح إداري؟ هل السرعة في الإنجاز تحتاج إلى معجزة؟
ما الذي يمنع؟ أن تُؤمّن الكهرباء والماء؟
أين دولة الكهرباء من «دول المولدات» التي تبيعنا النور وتشتري سكوت الدولة؟ كيف تخسر مؤسسة الكهرباء، وتربح كل حارة فيها خمسة مولدات خاصة؟ أهو السحر؟ أم سحر الفساد؟
ما الذي يمنع؟ أن تكون طرقاتنا للعبور لا للموت؟
كل يومٍ نُعدّ الضحايا كأننا نحصي الخسائر في حرب…
لا إشارات، لا إنارة، لا رقابة، حفرٌ وأخاديد، ومطبّات تليق بحلبات المصارعة لا بالطرقات.
كأن الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود… فأين الدولة؟
ما الذي يمنع؟
إزالة النفايات عن الطرقات؟ أليست الضرائب تُجبى بانتظام؟
ألا يدفع المواطن ما عليه للبلديات؟ فلماذا النفايات تعيش معنا؟ لماذا القمامة جزء من المشهد اليومي؟ من يُحاسب، ومن يُسائل؟
ما الذي يمنع؟
زيادة الرواتب؟ وزيادة الشطور؟ وهل يعيش اللبناني على ٣٠٠ دولار في الشهر؟
في بلدٍ فيه إيجار الغرفة ٥٠٠ دولار، والموتور ١٠٠ دولار، والمياه تُشترى، والتعليم يُباع، والدواء يُفتقد…
كيف يحيا الناس؟ أليس ذلك قتلًا بطيئًا؟ من دون رصاص!
ما الذي يمنع؟ ضبط أقساط المدارس والجامعات؟
ألم يُكتب في رخصها أنها «مؤسسات لا تبغي الربح»؟ فأين هو هذا «اللا ربح»، والناس تدفع أكثر من ١٢ ألف دولار في السنة لتعليم أولادها، وفي النهاية يتخرج أبناؤها عاطلين عن العمل أو مهاجرين إلى المجهول؟
ما الذي يمنع؟
تحديث البرامج التعليمية؟ كيف نعلّم أبناءنا اختصاصاتٍ لا سوق لها؟ نعلمهم كيف هام عنترة بعبلة، وعربد ابو النواس، وهام جميل ببثينة، وهجا آخر كافوره الاخشيدي؟ لماذا لا نواكب روح العصر، ونعيد ربط الجامعة بسوق العمل؟
أكثر من ٤٣ ألف شاب وصبية يتخرجون سنويًا… أين يذهبون؟ أغلبهم يهاجرون، يُخصبون أوطانًا غريبة، ويتركون أرضهم بورًا من الكفاءات.
ما الذي يمنع؟ تسوية ملف الأملاك البحرية؟
أليس فيها مئات الملايين من الدولارات المهدورة؟ لماذا لا تُحصّل للدولة بدل أن تكون مشاعًا لأصحاب النفوذ والمتنفذين؟ لماذا لا يُعاد هذا المال للناس، للمدارس، للمستشفيات؟
ما الذي يمنع؟
أن لا يموت المواطن لأنه لا يملك كلفة دخول المستشفى؟
أن لا يموت لأنه لا يجد دواء السرطان أو الأمراض المزمنة؟
أن لا يُحرم من سرير أو شفقة أو علاج؟ أهذا بلد الإنسان، أم بلد الاستغناء عن الإنسان؟
ما الذي يمنع؟
أن يكون العلم مجانيًا كما في فرنسا، والدول المتقدمة؟
لماذا علينا أن نبيع الذهب والسيارات، ونرهن المنازل، لنتعلّم؟ أليس التعليم حقًا، لا امتيازًا؟ أليس الاستثمار بالإنسان أهم من الاستثمار بالإسمنت؟
ما الذي يمنع؟
أن تفرح الناس؟
أن تُقام مهرجانات مجانية برعاية البلديات، لكل الفقراء الذين لا يقدرون على دفع تذكرة لحضور أي نشاط؟
ألا يستحقّ الناس الذين يحملون أوجاعًا على أكتافهم، أن يرقصوا ليلةً، أن يفرحوا ساعةً، أن يتنفسوا مجانًا؟
ما الذي يمنع؟
أن تُضبط الأسعار؟
أن تُوحّد التسعيرات في السوبرماركات والمحال؟
أن لا يُذل المواطن وهو يشتري كيلو جبنة، أو علبة حليب؟
أين الرقابة؟ أين الوزارات المختصة؟ وهل يحتاج التشدد الى معجزات؟
ما الذي يمنع؟
إعفاء أصحاب المصالح الصغيرة من الضرائب الجائرة؟
أليسوا أولى بالدعم من الكبار المحتكرين؟ أليسوا أكثر من يدفع ثمن أي أزمة، ويقفون وحيدين في وجه الانهيار؟
ما الذي يمنع؟
إنصاف المتقاعدين في القوى الأمنية والعسكرية؟
هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في الخدمة، لماذا باتوا اليوم غير قادرين على شراء ربطة خبز؟ أهذه هي «مكافأة نهاية الخدمة»؟
ما الذي يمنع؟
أن نسأل أنفسنا عن أطفال المدارس الذين يأكلون خبزًا حافًا أو زعترًا وماءً وسكرًا؟
أين الدولة من هذا المشهد المهين؟
هل تسألون أنفسكم لماذا يرتفع معدل الانتحار؟
لماذا شبابنا يصطفّون أمام السفارات؟ لماذا يغادروننا أفواجًا؟
ألم تسألوا: من قتل الأمل؟ من دسّ السمّ في قلب البلد؟
انظروا الى القرى وقد فرغت من سكانها، انظروا الى البيوت نبت فيها الشوك بعدما هاجرها اصحابها؟
ما الذي يمنع؟
أن يكون لبنان وطنًا كما حلم به جبران، وغناه الرحابنة، وكتبه سعيد عقل وطنًا للشمس، لا وطنًا يحترق فيه امل الناس ويتبخر تحت اشعة شمسه؟
ما الذي يمنعنا من النهوض؟
غير سوء التخطيط للمستقبل، وسوء الإدارة، وغياب الأخلاق الوطنية.
ما الذي يمنع الادارات من أن تكون في خدمة الناس؟
سؤال لا نجد له جوابًا… إلّا في مرآة وعيون الغضب الشعبي الكبير.
أمّا الجواب عن كلّ هذا…
فربّما هو في درجٍ خشبيٍ قديم، خلف مكاتب مكيّفة، حيث تنام «النيّات الحسنة» بين ملفات متآكلة ورواتب مقطوعة وخلافات صامتة…
فالسلام وحده غير كافٍ لملء البرّاد، وشحن بطارية الكهرباء، وشفاء مريض السرطان!
كأنّ المطلوب من المواطن أن يعيش… بالصبر الوطني، وبسندويشة الوطنية، وبكهرباء الشعور بالانتماء. فنحن نحب لبنان ونعشقه، ولو كان غير ذلك لكنا هاجرناه من زمان، لكننا بتنا نخاف ان ينطبق علينا، وعلى الصامدين هنا، رغم كل الظروف المعيشية، قول المثل: …ومن الحب ما قتل
