مدرسة العاهات – كتب فوزي عساكر رئيس تحرير العالمية

ما أكثرَ العبارات التي نسجنا منها أناشيد وطنية، تتغنّى بالوحدة والعيش المشترك ونبذ الطائفية واعتماد العقلانية. ولكن، ما أن تنتهي الأنشودة ويصفّق الجمهور، حتى تبدأ المجزرة.

مَن أوهَمَنا أننا شعبٌ واحد في دولة واحدة، وما هذا الشعب الذي يبني المتاريس عند أوّل شعارٍ يطلقه زعيمه؟! أهكذا نكون شعبًا واحدًا، ولكلّ «فركوحٍ» منّا انتماء لزعيم مربوط عنقه بالخارج، ويلعب «كومبارس» على مسرح وطن الدماء، وسط تصفيق جُمهورٍ غافلٍ، يطلق شعارات لا يفهمها، ويَموتُ من أجلها، فيتوحّد الشهداء عند استحالة تَوَحُّد الشعب!

نوهمُ أنفسَنا أنّ الأجيال التي سبقتنا كانت مُخطئة، وأننا تَعلَّمنا من التجارب والحروب. ولكن نَحن شعبٌ لا يتعلّم… نَحن شعبٌ دخلَ التاريخَ من مدرسة العاهات، و«ضيعان اللي ماتو»، فأولادهم يكرّرون أخطاءَهم في ساحاتٍ جديدة وحروبٍ جديدة!

كيف لوطنٍ أن ينهض من الانْحطاط، وأجياله تدرس في مدرسة العاهات، فيحفظ طلاّبُها شعاراتِ زعمائهم وحَماقات زعمائهم ومفاهيمَ مَن لا يفهم، ويسمّعون دروسهم على المنابر الوطنية في المناسبات الفارغة، فيردّدون ما قاله زعماؤهم، ولكن بتوزيعٍ موسيقيٍّ جديد، يُسمّى النمط الشبابي للغباء التقليدي!

في ندوات تلفزيونية ومُجتمعيّة، نشاهد جيلاً جديدًا، لم يُجدّد في العقلية والمنطق، وما زال أسيرَ ما أطلقه زعماؤه من شعاراتٍ، أَبادتِ الخليقة، في حروبٍ أهليّة ومَحاور خارجيّة، لَها مصلحة في أن نكونَ جوقةً تُردّدُ الشعارات وتَموت من أجل الشعارات.

أليسَ من المعيب بعد كلّ هذه المآسي، ان يُخاطبَكَ المسيحي بانتماء زعيمه، والمسلم بانتماء محاوره، فتعرف ما سيقول قبل أن يقول، لأنه قد حفظَ الدرسَ من مدرسة العاهات، وهو مقتنعٌ أنه يَجب أن يقتنعَ حتى ولو لم يقتنع؟!!!

أيُّ حوارٍ شبابيٍّ ننتظره من برامِجنا التلفزيونية، مع هذا الكمّ من الانْحطاط في ما يقوله جيلٌ متعلّم، وبالرغم من كلّ ما تعلّم، فهو لا يناقش أفكار زعيمه، بل يَجعل منها آياتٍ يردّدها انطلاقًا من الانتماء الطائفي، حتى ولو كانت على خطأ؟!

يا شعوبًا متعددة الإنتماءات على أرض لبنان، كفاكم كذبًا، فنحن لسنا شعبًا واحدًا، بل نَحن مُجرّد أدوات، وآباؤنا فُرسٌ ويَهودٌ وعربٌ وعجمٌ وتُركٌ ومن مُجمل الانتماءات، كُتِبَ على هويّتنا: «لبناني منذ أكثر من عشر سنوات»، حتى قبل أن يولد أجدادُنا بِمئات السنوات!

نَحن شعبٌ قاصر، قالوا لنا: حارِبوا فحاربنا من دون قضية، وأقنعونا بقضاياهم فمتنا وشكرناهم حتى بعد موتنا!

قالوا لنا: أقتلوا تنالوا أجرًا عند الله: فتقاتلنا وقتلنا أبرياء الله! فذكَّروني في أيام ميليشيات الحروب السابقة من تاريـخنا المجيد، يومَ أمرَ قائدٌ حارسَهُ أن يقتلَ مواطنًا اتّهمه بالعمالة. وبعد أن نفّذَ الحارسُ الأمر، اكتشفَ أنه قتلَ مواطنًا بريئًا، كي يَحظى القائدُ بزوجة القتيل!!!

هذه هي مدرسة العاهات التي أورثتم تعاليمها لأولادكم، فجعلتم منهم أعداء أغبياء، يتقاتلون من أجل الذلّ والفحشاء. وبِهكذا أجيال، يُصبحُ عدوُّ الداخل أخطرَ من عدوّ الخارج، ونصبح شعبًا قاصرًا، نَحتاجُ من جديدٍ إلى انتداب!

فوزي عساكر