ممر داوود: لماذا تقف السويداء على مفترق النار؟
سمر قره

مع كثرة تناسل التحليلات، ثمّة سؤال يتكرر: لماذا السويداء اليوم؟ والإجابة ليست في نشرة أخبار مسائية، بل في جغرافيا تُرسَم من جديد، وخرائط تُخْرَط على أجساد الشعوب.
ومن يودّ أن يفهم مشهد الجنوب السوري الآن، عليه أن يقرأ التاريخ كخارطة ألغام. عليه أن يتأمل كيف تُرسَم المشاريع الكبرى بأنابيب الغاز، وخطوط الممرات، والصفقات التي تُعقَد خلف الطاولات المغلقة. وهنا يبرز “ممر داوود” بوصفه مشروعًا جيوسياسيًا إسرائيليًا غير مُعلن، يهدف إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، عبر شريط يمتد من الجولان المحتل مرورًا بجنوب سوريا (القنيطرة، السويداء، درعا)، وصولًا إلى العراق، متجاوزًا الدولة السورية ومُستبدلًا ملامحها التاريخية بكيانات طائفية أو إثنية هشّة.
ليست “قصة شوارب”… إنها محاولة خنق وطن، فما يجري ليس قصة “تغيرت الظروف”، ولا خلافًا على سلطة محلّية. القصة سرقة أرض، واغتصاب عرض، ومحاولة خنق وطن. إنه مشروع هندسة جغرافيا جديدة، تريد أن تمر الخريطة من فوقنا، بينما تمرّ مصالحهم من دوننا.
وهنا الجنوب في قلب العاصفة، فالسويداء تظهرالآن كمنطقة على فوهة الانفجار، ليس لأنها خارجة عن السياق، بل لأنها في صلبه. هي ليست حائرة، ولا وحدها. بل تقف بثبات على مفترق القرن، حيث تتقاطع المعارك الخفية:
* أنبوب غاز قادم من الخليج يسعى لعبور الأراضي السورية إلى أوروبا.
* مشروع ممر داوود يحاول فصل الجنوب عن دمشق.
* محاولات لخلق “دولة درزية” أو “جيب آمن” يتبع النفوذ الإسرائيلي.
* كبح تمدد “الهلال الإيراني” لصالح كتل جديدة ترعاها واشنطن وتل أبيب.
وفي كل ساحة احتجاج في السويداء، هناك صدى لصرخة أكبر: لن نُمحى من معادلة الأرض. وفي كل راية مرفوعة، هناك وعيٌ عميق بأن الخطر ليس فقط أمنيًا أو معيشيًا، بل وجودي. فالخريطة التي تُرسَم الآن لا ترسمها الأقلام، بل ترسمها الجغرافيا. ومن لا يقرأ الجغرافيا بعين السياسة، سيخسر الوطن مرتين.
إن الجنوب السوري يُدفَع اليوم نحو عزلة ممنهجة، تمهيدًا لفصله سياسيًا وأمنيًا، ليكون بوابة جديدة لـ”إسرائيل الكبرى”. الهدف ليس الأمان… بل إعادة إنتاج سايكس بيكو 2.0، بوجوه أكثر حداثة، وخرائط أشدّ قسوة. وما يحدث اليوم ليس صدفة، بل جزء من مشروع يُراد تمريره في الظل، بينما تُشغَل الشعوب بأزماتها اليومية. السويداء تقاوم لا لتطالب بخدمة… بل لتمنع خنقًا جديدًا لوطنٍ بأكمله. اقرأوا الخرائط جيدًا… فالجغرافيا اليوم ليست سكونًا، بل جبهة.
