وخجلت العروس من طلّتها – العالمية / فوزي عساكر

«بَهيّة»، صبيّةٌ جَميلة من ضيعتي. عيناها ساحرتان، طلّتُها كاسـمِها: بَهيّة في عيون أبناء الضيعة، كانوا يَخشعون أمام حضورها، ويأملون أن تكون ملكةَ جَمال ضيعتنا.

أساء إليها أهلها، فوشّحوا وجنتيها بشحتار الموقد؛ وقصّوا جدائلها كي لا يزعجها شعرها في الكنس والطبخ والغسيل؛ وتشققت رجلاها من السير بِحذاءٍ له أفواه «جائعٍ» من الكعب إلى أخمص القدمين، من كثرة المشي إلى الحقل لإيصال «الزوّاده» إلى والدها الفلاح، كل يوم، وجمعِ الحطب في طريق العودة. فكان شبّان الضيعة يَحزنون لكثرة ما تَبدّلَ منظرها من الجمال إلى جريـمةِ أهلٍ تَمادوا عليها بالإساءة.

وفجأةً، تَقدَّمَ عريسٌ يطلبها من أهلها، فخجلت العروس من طلّتِها، وغسلت أمُّها وجهها، ودهنتها بالعطور، ولوّنتها بكحلة العيون وحُمرة الشفاه، وألبستها ثوبًا من الحرير، استأجرته من بنت «الشيخة»، واستعارت لَها كندرةَ «ساندريلاّ» بنت الوجيه، لتكونَ لائقةً عند استقبال العريس.

وهكذا لبنانكم، الجمال الإلهي، كامل الأوصاف، شوّهَهُ أهله وحكّامه، فأفسدوا فيه كلَّ شيء… طرقات مُحفّرة، كهرباء مقطوعة، مياه غير متوفّرة، فرص عمل معدومة، أموال مسروقة، حقوق ضائعة، مكبّات نفايات على أبواب القرى والمدن، مصانع الشحتار التي تنتج الأمراض السرطانية… حتّى خجلَ من طلّته وانزوى، مسجّلاً المرتبة الأخيرة في قائمة الدول!

وفجأةً، قرّر قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر زيارة هذا البلد المنكوب، فصحا حكامه على صدمةِ التوقيت السريع، وعبّدوا الطرقات، وأمّنوا الكهرباء، وزادوا قوّة الإنترنت، وزيّنوا الطرقات بالأعلام الفاتيكانية والأعلام اللبنانية التي نسيَ اللبنانيون الأوادم ألوانَها في عجقة الأعلام الحزبية وأعلام دول الوصاية وصور الزعماء، وبدّلوا هندسة دور العبادة، لتليق بزيارة الضيف العظيم!

إننا شعبٌ يشبه العذارى الجاهلات، اللواتي لم يَحسبنَ تلك الساعة. نَحن ننتج هكذا حكامًا، ونلومهم، ولكن الحمد لله، قد أعادوا للبنانَ جماله (بالمصادفة) ولو بفضل زيارة الحبر الأعظم.

ولكن السؤال الكبير: دولةٌ نَهبت أموالَ شعبها، وأعلنت إفلاسَها لتتهرّب من التزاماتِها لشعبها، من أين أتت بالمال لتزفيت الطرقات في أسبوع واحد؟! ومن أينَ تأمّنَ الفيول لإنتاج الكهرباء؟ ومَن قدّمَ لنا هبةً لتسريع الإنترنت؟ ولماذا خجلت العروس من طلّتها، فسترت عورتَها في يومٍ واحد؟! فهذا يدلّ على أننا نستطيع أن نبني دولةً في يومٍ واحد، إذا كان القرار لبنانيّاً، مع حكّامٍ يَصلحون لبناء وطن!

والسؤال الأكبر، ما هو مشروع دولتنا غدًا؟! وهل سيبقى الزفت على طرقاتنا حتى قدوم حَبرٍ أعظم جديد، أم سيزول عند أوّل شتوةٍ كما يَحصل مع «متعهّدي الزفت» في جمهورية التعهدات بالتراضي؟!

فوزي عساكر