العالمية / أرشيف / المطران انطوان عريضه يُنتخب بطريركاً
ووقائع مأتم البطريرك الياس الحويك في ديترويت ميشيغن
من أرشيف الصحافي غسان عازار

لبنان بأسره يُشارك الطائفة المارونية بابتهاجها. البطريرك الجديد محبوب من الجميع.
(جريدة لسان العدل – جريدة إسبوعية جامعة – صاحبها ورئيس تحريرها “شكري سليم كنعان” – إشتراكها السنوي ستة دولارات – الجمعة في ٨ كانون الثاني سنة ١٩٣٢.)

أُخذ هذا الرسم في كنيسة القديس مارون بعد ظهر الاحد في ٣ كانون الثاني في حفلة الجنازة التاريحية، التي أقيعت لراحة نفس السعيد الذكر البطريرك الياس الحويك في ديترويت ميشغن. وترى في الرسم من اليمين الى الشمال: الخوري يوسف داود الراعي الثاني للطائفة المارونية في ديترويت، والذي القى الخطاب التأبيني، الإرشمندريت انطونيوس بشير راعي الطائفة الارثوذكسية، الارشمندريت يوحنا الهندي راعي الطائفة الكاثوليكية، الموسنيور دويلي نائب اسقف ديترويت، الخوري الياس الاسمر الراعي الأول للطائفة المارونية، والخوري لبو صفير اتوفيتش راعي الطائفة الكاثوليكية اليوكرانية، والرسم الظاهر بين اغصان النخل هو رسم السعيد الذكر البطريرك الياس الحويك، المنتقل لرحمته تعالى في الرابع والعشرين من كانون الأول وله من العمر تسعون عامًا.

العدد ٦ ديترويت ميشغن الجمعة في ٨ كانون الثاني ١٩٣٢. جريدة لسان العدل اللبنانية، السنة السادسة، جناز ورثاء السعيد الذكر البطريرك مار الياس بطرس الحويك.
دعت الطائفة المارونية روؤساء واعضاء الطوائف الأخرى لمشاركتها بالصلاة لراحة نفس فقيدها وفقيد الشرق، المثلّث الرحمات البطريرك الياس الحويك وذلك بعد ظهر الأحد الواقع في ٣ كانون الثاني سنة ١٩٣٢.

نبذة عن حياة الفقيد:
بعد أن أنهى علومه الأبتدائية في مدرسة قريته حلتا الحقيرة، منعه فقر والديه أن يواصل الدرس. لكن الياس الذي كان جسوراً منذ صغره، اغتنم فرصة وجود سالفه سعيد الذكر البطريرك بولس مسعد في مدرسة مار يوحنا مارون، فعرض له شوقه للعلم وفقر والديه، فرقّ قلب البطريرك عليه وأمله خيراَ. لكن قبل افتتاح المدارس، حدث أن انهار جانح من المدرسة فاقفلت ابوابها، وأخذ الياس يندب حظه، والتزم أن ينتظر سنة، ثم دخل المدرسة وتخرج منها.
وبعد نهاية الجناز خرج الشعب من الكنيسة على صوت القطع الموسيقية التي كانت تسمع الحاناً من خارج الكنيسة. الشعب الغفير وعدد أكثر من الف في قاعة مدرسة كنيسة.
بدأت الحفلة التأبينية التي افتتحها القنصل الفرنسي العام في ديترويت، بحضور الاشمندريت يوحنا الهندي راعي الطائفة الكاثوليكية، انطونيوس بشير راعي الطائفة الارثوذكسية والذي ناب أيضاً عن حضرة الأب جرجس النكت الراعي الآخر، فالشيخ خليل البزّي أحد أئمة المحمدين في ديترويت، فالشيخ عباس ابو شقرا عن الدروز، فالمحامي نايف بشاره، فالشاعر الاديب حنا خليل الهندي، فالسيد الياس غسطين، وكان يدعو الخطباء بأسمائهم السيد انطوان العازوري.
وختم الحفلة الخوري الياس الأسمر، بكلمة شكر للطوائف الكريمة التي شاركت الطائفة المارونية بأحزانها.
وفي ما يلي خطاب الأب يوسف داود:
قد جاهدت الجهاد الجميل وأتممت شوطي وحفظت الايمان، وإنما يبقى إكليل العدل المحفوظ لي، الذي يجزينى به في ذلك اليوم الرب الديّان العادل “٢تيماتاوس ٧٤”
سادتي الأجلاء، آبائي الأفاضل، اخوتي الأعزاء…
إني أقف الآن امامكم والحزن أدمى فؤادي، والحسرات قد خنقتني، والتأثر قد هزّ مفاصلي، وكنت افضّل في هذا اليوم المشؤود، وفي هذا الظرف الأليم النادر الوجود على طائفتنا المارونية وعلى لبنان وطننا المحبوب، بأن أحتفظ بالصمت وألزم إحدى زوايا هذا المعبد المقدّس، لأبرّد غليل حزني بالدموع والنحيب.
لكن أبى الواجب عليّ الرضوخ لعواطفي هذه، فوقفت الآن امامكم، وأمام حزن يشمل أمّة كاملة. أرثي سيّد لبنان وعميده وبطريركه المفدّى المثلث الرحمة. وأردد مع الملك داوود “كيف تصرّعت الجبابرة يا بنات إسرائيل أبكين ملكك. “٢ ملوك ١٩١”
فيا جبال لبنان ووهاده إبكي ونوحي الزعيم الكبير والسيد الخطير، الذي خدم لبنانك أسمى الخِدم وأجلّها. وانتِ يا جالية ديترويت الكريمة، إبكي وتحسّري على رئيسك الذي لكِ في قلبه عطف ممتاز.
فقد حملني أيها الأعزّاء عند قدومي اليكم، البركة الابوية وتمنّياته القلبية، في ازدياد توفيقكم في النفس والجسد. وقد بقي مدّة وجيزة يسأل عنكم ويجدّ لكم تمنياته ويهديكم بركاته الابوية. أقول لكم إبكوا، وكنت أود من صميم فؤادي أن أردد على مسامعكم: السيد المسيح له المجد لتلك المرأة التي صادفها على باب مدينة نائين تبكي وحيدها محمولاً في النعش، قد تحنّن عليها، وأعاد اليها ابنها، لا تبكي. فهل مَن يعيد الينا سيّدنا وعميدنا لكي نمسح دموعنا ولا نبكي بعد معارك الحياة؟
فاننا لا نقدر ألاّ نبكيك، ويبكي معنا قومك، يبكيك رجال الدين، يبكيك رجال الدنيا، لبنان يبكيك ولا يريد أن يتعزّى لفقدك.
إنّ قلب الحويك الكبير كان ينبض بحبّ لبنان، ويشعر معه في ادوار حياته، فقد كان حلمه وطمعه إسعاد قومه وتكبير لبنان والمحافظة على كيانه، فاستخدم لهذه الغاية كل ما لديه، من الذكاء والقلب والنفوذ والتأثير حتى رفعه الى المركز اللائق به.
إنّ الله قد اختار الياس منذ حداثته وعزّزه في الدنيا، فعاش الحويّك محبّاً لربّه، محبّاً لطائفته، محبّاً لبلاده ولوطنه. وكانت عين الله ترعاه، ويده القوية تعضده، وعنايته تحفظه، وتساعده في كلّ اموره.

قد ولد في ٤ كانون الأول سنة ١٨٤٣ من والدين فقيرين بالمال، غنيّين بالفضائل، وهما الخوري بطرس وغرّه. مات والده وفي قلبه حسرة ليرى إبنه الياس كاهناً. واما والدته فعاشت طويلاً، صرفت سنيها الأخيرة في كنيسة مدرسة مار يوحنا مارون، ساجدة امام القربان المقدّس، فأخذت بركته بعد أن صار بطريركاً، وماتت متعزّية.
وكان سمع أنّ الآباء اليسوعييّن قد فتحوا مدرسة في غزير، فتوجه الى غزير يقرع الباب، وإذا لم يكن معه راتب المدرسة رجع خائباَ حزيناَ. حينئذ دفعت الهمّة أحد أقاربه وأدانه المبلغ المطلوب، فدخل الياس المدرسة بعد أن أتقن فيها اللغات الاتينية والأفرنسية والإيطالية والرياضيات والفصاحة. ولمّا عرف بفراغ محل في البروباغندا في روميه، كتب الى الكاردينال رئيس المدرسة يترجّاه فقبل طلبه وسافر الى روما، ودرس هناك الفلسفة واللاهوت، فنال درجة الملفنة وسيمَ كاهناً سنة ١٨٧٠ ورجع الى لبنان.
ولدى وصوله أقامه البطريرك بولس مسعد استاذاً لمدرسة مار يوحنا مارون مدة سنتين، ثمّ استدعاه وجعله كاتبًا له وأمينا على أسراره. فخدم البطريرك خدمة النصوح المتيقّظ وأحرز ثقة كاملة. وقام باعمال وظيفته احسن قيام، فأحبه الجميع وقدّروه حق قدره وعظّم البطريرك منزلته لديه، وأراد أن يكافأه على خدماته، فرقّاه في ١٤ كانون الاول سنة ١٨٨٩ الى اسقفية عرقا شرفاً، وجعله نائبًا له في الروحيات.
عندئذ ابتدأ المطران الياس بوضع حجر الزاوية لتلك الجمعية الزاهرة الآن، جمعية راهبات العائلة المقدسة، التي بلغ عدد أفرادها الآن قرابة المائة، ومدارسها العشرين، وخصّها لتهذيب البنات المارونيات وتدريبهنَّ في العلوم الحديثة والآداب السليمة.
ثمَّ سافر الى فرنسا فأسّس مركزاً للطائفة، ونال من الحكومة الفرنسية ثمانية كراسي لثمانية تلاميذ، يتعلّمون على نفقتها في مدرسة سان سلبيس.
ثمَّ عاد الى لبنان واشترى داراً للبطريركية في القدس الشريف، لكنّ حلمه لم يكن بعد قد تم، لانَّ قلبه كان دائماً متّجهاً نحو روميه عاصمة الكثلكة، وكان يريد أن يُحيي مدرستنا المارونية، فنال عطف قداسة البابا لاون الثالث عشر، وسافر أولاً وثانياً الى فرنسا، وجمع الاعانات منها، ونال بدهائه واساليبه من السلطان عبد الحميد ٥٠٠ ليرة عثمانية إعانة لمدرسة رومية.
فابتنى المحل اللازم واستلم ادارة المدرسة ونظّمها. وبينما هو يُغل ثمرة أتعابه مسرورًا، فاجأه نعي المثلّث الرحمة سالفه البطريرك يوحنا الحاج، وَدُعي الى لبنان لمشاركة إخوانه الأساقفة في انتخاب سلف له.
واذ كان متردّداً بالعودة الى لبنان، أوعز اليه الكاردينال رئيس المجمع أن يسافر حالاً، فلبّى. وحال وصوله انتُخب بطريركاً، وذلك في ٦ كانون الثاني سنة ١٨٩٩ فشمل الطائفة جميعاً المزيد الفرح والبهجة. فأخذ شعاراً له: لنجدد كل شيء بالمسيح. فإبتدأ بتشيّد ذاك الصرح العظيم في الديمان، وعكف على تدبير شؤون الطائفة والإهتمام بخيرها الديني والمدني، بغيرة لا تعرف الملل، معلماً بأقواله ومُثُله، عاملاً بكلّيته، فنال عزّاً لم يبلغه غيره.
لكنَّ هذا العز كانت نتيجة خروجه منتصراً من المعارك العديدة التي خاضها، والتي كان سلاحه الوحيد فيها اتكاله الزائد على العناية الإلهية، فكان دائماً يردد “الله بيدبّر”
جرّب أحد المتصرفين مندفعاً من أعداء الدين أن يخاصمه، فكانت آخرته سوداء ومات ذليلاً.
لمّا اعلن الدستور العثماني، حاول الأتراك بالإتفاق مع بعض اللبنانيّين ادماج لبنان في الولايات العثمانية، فانتصب كالأسد يذود عن الوطن، وتمكّن بحنكته أن يحافظ على امتيازات لبنان، لا بل جعل أن يضع في العمل ما كان قد وضع منها في طي الإهمال.
أتت الحرب الكبرى، وصوّبت غضبها على لبنان، فناضل كل المناضلة وطلب سراح المعتقلين وإعانة الشعب، فُأجُيب بالوعود خوفاً من سطوته. ولمّا رأى الأعداء أن لا سبيل لإبادة اللبنانيّين إلاَّ بنفي بطريركهم، طلبوا ذلك مراراً. لكنَّ العناية الإلهية كانت تنقذه وتحرسه من بين أيديهم.
إحتلت جيوش الحلفاء لبنان، فاستقبلها برحابة صدره المألوفة، لكن لم يطل إلاّ تعكّرت سماء لبنان بسبب اختلاف الدول على من تكون الحامية له.
أصبح لبنان كفلك صغير تتنازعه أمواج سياسة الدول. حينئذ هبّ سكّانه بأجمعهم من مسيحيّين وغير مسيحيّين، وصاحوا الياس قائلين له كما قال تلامذة يسوع له لمّا أوشكوا أن يغرقوا: يا بطرك لبنان نجّنا. ووكّلوه ليمثّلهم في مؤتمر الصلح وليطالب باستقلا ل لبنان وتكبيره.
فحمل عبء شيخوخته وركب البحر الى باريس مطالباً بالحقوق اللبنانية. وكانت له الوقفات المشهورة في هذا السبيل.
عاد من مؤتمر الصلح وبيده صك الاستقلال موقعًا من المسيو كليمنصو رئيس الوزارة الإفرنسية إذ ذاك.
وهكذا كان كلما أُشكِلت الأمور، كان يُلجَأ الى الياس فيحلّها بفطنته، وكان إن لزم الأمر يضرب بعصاه.
فلا عجب أن احبه الجميع ولا عجب أن بكاه الجميع. هذا الجبّار الذي قاوم قوّات العالم وخرج منتصراً من معارك هذه الحياة، لم يقدر أن يقاوم ملاك الموت، قد هوى عن عرش مجده ولكنّه مات منتصراً كما عاش منتصراً في سبيل ربّه وشعبه ووطنه.
قد غاب نجمه كما ظهر في شهر كانون الأول، لكن من عاش مثله لا يموت أبداً بل يعيش في حسناته. قد مات بجثمانه لكنه خالد بآثاره، قد مات لكن بعد أن علّمنا بمُثله كيف تكون محبة الله والتعلّق بكنيسته والتضّحية في سبيل العباد.
قد مات بعد أن علمنا الاخلاص والمحبة للوطن بأعماله وأقواله، وكأنه شعر بدنوّ أجله فأصدر الدر في حبّ الوطن، الذي لا تزال حقائقه مطبوعة على لوحات قلوبنا. قد مات ليسبقنا الى الملكوت، فيدافع عنّا كما دافع عن مصالحنا، في هذه الحياة. قد مات لأنَّ الله وحده لا يموت.
فلنحب الله كما أحبّه، ولنحب الوطن كما أحبّه، ولنمزج الشهامة في صلواتنا وفي دموعنا. المجد للبنان، ولنصلِّ لأجل الفقيد المثلّث الرحمة الذي نبكيه سويّة، لكي تُقبل نفسه دون إبطاء في الخدر السماوي، لأنه كما كان في الدنيا مثال الزعماء الصاديقن، كان في الدين من مصاف القديسين.
لنصلِّ لأجل الطائفة المترمّلة التي بعد أن تكون بكت وقدّمت صلوات يقدّر لها الأب القدير، أن تفرح وتقيم صلاة الشكر على اختيار خلف قدير يواصل أعمال سلفه فيسهر على نجاح الطائفة ويحافظ على استقلال البلاد وكيانها.
فيا يسوع إننا نضع رجاءنا فيك، وسنودعك سيّدنا وفخرنا وعزّنا لانّك أنت القائل: أنا هو الحياة “يوحنا” فمن يُؤمن بي وإن يكن قد مات يحيَ، والذي يؤمن بي فهذا لا يموت أبداً.

إتفقت كلمة السادة أساقفة الطائفة المارونية على انتخاب سيادة المطران انطوان عريضه رئيس أساقفة طرابلس بطريركاً على الطائفة المارونية خلفاً للسعيد الذكر البطريرك الياس الحويك، بعد ظهر الخميس الواقع في ٧ كانون الثاني سنة ١٩٣٢ ولم تكن البرقية التي استلمناها من إبن عمّنا سامي كنعان النائب في المجلس النيابي اللبناني أكثر من ذلك.
لا شك أن انتخاب سيادة المطران انطوان عريضة وقع موقع البهجة والفرح في قلوب الموارنة خصوصاً واللبنانيّين عموماً. فغبطة البطريرك الجديد سيكون الخلف السامي للسلف الكبير والرجل الذي يرهن أملامكه ومقتنياته وصليبه حتّى نفسه، ليطعم الفقير المحتاج. وقد فعل ذلك سيادته مدّة الحرب. سيكون بطريركاً رفيع الشأن لطائفة رفيعة السؤدد في بلاد الارز وما جوارها.
نَم مستريحا أيها السلف الكبير، فقد ألهم الروح القدس اساقفته فانتخبوا ليقوم مقامكم اسقف لا يقعده التعب في خدمة المجتمع.
لا يتجاوز عمر البطريرك السبعين عاماً، وقد ولد في بلدة بشرّي الشهيرة في شمالي لبنان، وذو علم واسع تلقّن علومه في مدرسة سان سلبيس في باريس مع سيادة المطران عبدالله الخوري، وسيم اسقفاً سنة ١٩٠٨، وهو من الاساقفة الذين لا يرسمون كاهناً ما لم يكن متضلّعاً بعلم الاهوت.
وبابتهاج نقول: مات البطريرك فليعِش البطريرك.
