كان أبناء القرى (وبناتُها) يوزّعون ماء الينابيع الصغيرة (العيون) توزيعًا عادلاً مرعيّاً مستمرّاً بين بعضهم، بالاعتماد على تَحديد مساحات الأرض التي يعملون فيها، والتي يسمّونَها: أرض سقي (يقابلها في الحالة الأخرى: أرض بعل). كان الدّفق خفيفًا في العيون، وكان أسلوب إيصال الريّ إلى الحقول هو أن يَجري في السواقي. والماء الخفيف معرّض لأن يتمّ استهلاك حصّة منه خلال رحلته تلك، قبل أن يبلغ هدفه، خصوصًا إذا ما كانت السواقي عطشى، وإذا ما كانت حرارة الشمس، هي الأخرى قويّة حرّاقة.

لذا، كان الحلّ بتجميع الماء في خزّان كبير يسمّى المحقن (لأنه يحقن الماء في صدره وبين جدرانه، من دون تسرّب ولا خسارة).

عند امتلاء الخزّان – المحقن، يتم إطلاق العنان للماء بحيث يجري سريعًا قويّاً إلى الزرع، حتى الدفقة الأخيرة. ومن جديد، يعاد العمل في امتلاء الخزّان وفق الحصّة التالية، وهكذا دواليكم.

رعاة الخير (أصحاب المصارف) في الوطن، وقد عبقت رؤوسهم بعطر العلم والمعرفة، وإمكانية الاطّلاع على القديم والحديث، وعلى ما قد يستبق المقبل الآتي من الظروف، لم يراعوا التوزيع في ما ائتُمنوا عليه، كما فعل الفلاحون، ولم يجدوا أنفسهم ملزمين بمراعاة الحقوق، ومجاراة الشرائع والعادات والأعراف، ولا الأمثال وحكايات التّراث، ولا الصدق وحفظ الأمانات. فقد لجأ الناس (أو لِنَقُل بعض الناس) إلى المصارف واضعين نقودهم في حماها على مراحل وعلى فترات، وبحصص قليلة متتابعة، بحيث تجتمع وتتكاثر وتتبارك في خزّانها ومحقنها، ولكي تصبح ذات قيمة وفعالية عند اللزوم، لمداواة عائلة، أو استصلاح أرض، أو بناء جدار ورفع سقف.

إلاّ أنّ المصارف تَمنّعت عن الإيفاء، حين آن الأوان، بالتزامن مع ظهور تعثُّر واضطراب في الوطن. الصدمة للمودعين. راحوا وجاؤوا وحاولوا ويئسوا وشَكوا وبَكوا… وبعد طول انتظار وألم وحرمان، وبعد صدود وردود، عادت المصارف لتدفع حصصًا قليلة، وعلى مراحل متباعدة، وكأنها بذلك تقول للمودعين: أنتم أودعتُم على مراحل، وها نحن نفعل ذلك. وبدلاً من أن ترفعوا جدرانًا في بيوتكم بودائعكم «الافتراضية»، إرفعوا في مرحلةٍ حجرًا، وفي الثانية حجرين، وفي الثالثة… ولا بدّ أن تظهر الجدران بعد سنوات. المهم الآن، والمفيد: أطلبوا من الله إطالةَ أعماركم.

وهكذا بدأت المراحل تقضم أعمار المغلوبين والمقهورين. تمكّنت من بعضهم فمضى إلى الآخرة النائية البعيدة، فيما واصل الباقي الصراخ، في الشوارع حينًا وفي صمت المساكن أحيانًا: أعمارنا، يا طويلي الأعمار!

أضف تعليق