تفجير كنيسة مار الياس في الدويلعة – سوريا
هل ما زالوا يظنون أنهم قادرون على تمزيق القلب السوري؟
(كتبت سمر قرة في العالمية)

في مساءٍ مشبعٍ برائحةِ البخورِ والترانيمِ، وبينما كانتْ الأرواحُ تتهجدُ في كنيسةِ مار إلياسَ الأرثوذكسيةِ بحيِّ الدويلعةِ الدمشقيِّ، تسربَ الظلامُ بهيئةِ إرهابيٍّ. اقتحمَ الصلاةَ بجسدِهِ المفخّخِ، مزهوًّا بالحقدِ الأعمى، وتركَ خلفَهُ أجسادًا ممزقةً وأرواحًا صاعدةً إلى بارئها.
أودى هذا الهجومُ الدمويُّ بحياةِ أكثرَ من عشرينَ شهيدًا، وخلّفَ عشراتِ الجرحى، بينهم أطفالٌ وكبارُ سنٍّ ورجالُ دينٍ. وقد أعلنتْ وزارةُ الداخليةِ السوريةِ أنَّ الفاعلَ ينتمي لتنظيمِ «داعشَ» الإرهابيِّ، في أولِ هجومٍ من نوعهِ منذُ انهيارِ النظامِ السابقِ قبلَ سبعةِ أشهرٍ.
وزارةُ الإعلامِ وصفت الحادثةَ بأنها «جريمةٌ إرهابيةٌ تستهدفُ التعايشَ الوطنيَّ». لكنها أكثرُ من ذلكَ بكثيرٍ… إنها طعنةٌ في قلبِ الوطنِ، في ذاكرتِهِ العريقةِ، وفي نسيجِهِ الاجتماعيِّ المتجذّرِ
فلماذا هذا الاستهدافُ؟ لأنَّ سوريا والمسيحيينَ حكايةُ ألفِ محبةٍ ومحبةٍ. فما بينَ أزقةِ دمشقَ القديمةِ، وجوامعها وكنائسها، لم يكنِ المسيحيونَ طارئينَ على الأرضِ السوريةِ، بل هم من جذورها العميقةِ. منذُ أن تنصّرَ شاولُ الطرسوسيُّ في طريقهِ إلى دمشقَ، وحتى مجمعِ نيقيةَ الذي ساهمَ فيهِ عشراتُ الأساقفةِ السوريينَ، كانتْ سوريا ملتقى الإيمانِ ومهدًا للأصالةِ والتعايشِ
وفي قرى وبلداتٍ مثلِ معلولا وصيدنايا، كانتِ التراتيلُ تتجاورُ مع صوتِ الأذانِ. كانَ المسلمونَ يزينونَ شجرةَ الميلادِ، والمسيحيونَ يصومونَ من أجلِ جيرانهم في رمضانَ. ولم تكنِ العلاقاتُ بينَ أبناءِ الوطنِ علاقةَ «تسامحٍ» مشروطةٍ، بل علاقةَ أخوةٍ وتكاملٍ راسخةٍ.
ولما عصفتِ الفتنُ بدمشقَ في القرنِ التاسعِ عشرَ، فتحتْ بيوتُ المسلمينَ أبوابها لإخوانهم المسيحيينَ، وكانَ الأميرُ عبدُ القادرِ الجزائريُّ أولَ المدافعينَ عنهم، غيرَ سائلٍ عن الطائفةِ بل عن الإنسانِ. وفي ثورةِ 2011، لم تكنْ صورُ حمايةِ الكنائسِ من قبلِ شبابٍ مسلمينَ رمزيةً، بل كانتْ تجسيدًا لهذا التاريخِ المشتركِ، الذي حاولَ الطغيانُ مرارًا أن ينزعهُ من الوجدانِ، فلم يُفلحْ.
والآنَ، حينَ يصبحُ الدينُ ذريعةً للقتلِ، لا يمكننا إلا قراءةَ أبعادِ مشروعِ الفتنةِ الخبيثِ. إنَّ تفجيرَ كنيسةِ مار إلياسَ لا يمكنُ قراءتهُ فقط كحدثٍ أمنيٍّ معزولٍ، بل كمشهدٍ من مشروعٍ طويلِ الأمدِ لتفكيكِ سوريا، ليسَ بالحربِ وحدَها، بل بزرعِ الشكِّ بينَ الجيرانِ، والخوفِ بينَ أبناءِ الحيِّ الواحدِ.
فما يجري ليسَ ضدَّ طائفةٍ بعينها، بل ضدَّ الذاكرةِ الجمعيةِ التي تعرفُ أنَّ لا خلاصَ لسوريا من دونِ بعضها البعضِ. هؤلاءِ لا يقتلونَ لأنهم يكرهونَ، بل لأنهم يعرفونَ أنَّ المحبةَ أقوى، ويريدونَ أن يُطفئوا شعلةَ اللقاءِ الأبديِّ بينَ الهلالِ والصليبِ.
لكنَّ سوريا، التي علّمتِ العالمَ معنى أن يتعايشَ الناسُ رغمَ اختلافِ معتقداتهم، لن تنجرَّ إلى حروبِ الآخرينَ. والتحدي اليومَ ليسَ في السعيِّ لعدالةِ الانتقامِ، بل لعدالةِ الضميرِ. والمطلوبُ اليومَ من الجميعِ – دولةً ومجتمعًا – هو أن نحصّنَ أنفسنا لا بالخوفِ، بل بالوعيِ:
أن تُحمى دورُ العبادةِ، لا بحرسِ السلاحِ فقط، بل بحراسةِ القيمِ الإنسانيةِ الساميةِ.
أن تُروى قصصُ العيشِ المشتركِ في المدارسِ والمساجدِ والكنائسِ ووسائلِ الإعلامِ، لتكونَ مقاومةً روحيةً فاعلةً ضدَّ التطرفِ.
أن نعيدَ الاعتبارَ للثقافةِ السوريةِ الأصيلةِ، التي لا ترى في الدينِ فصلًا بل وصلًا بينَ القلوبِ.
أن تُحاكمَ الجرائمُ، ليسَ للثأرِ، بل لترسيخِ مفهومِ أنَّ الوطنَ لا يسامحُ من يذبحُ أبناءَهُ.
في لحظاتٍ كهذهِ، نقفُ أمامَ مفترقِ طرقٍ. إما أن نسمحَ للغضبِ أن يقودنا إلى الشكِّ في بعضنا، فنخسرَ ما تبقّى من نبضٍ في هذا الوطنِ؛ أو أن نختارَ طريقَ المصالحةِ، لا كمهادنةٍ مع الجريمةِ، بل كموقفٍ إنسانيٍّ أعلى وأرقى.
لقد قالَ الشاعرُ الراحلُ نزارُ قباني – ابنُ دمشقَ – ذاتَ مرةٍ:
«إنَّ كلَّ خنجرٍ يذبحُ طفلًا هو خنجرٌ في قلبي.»
وكلُّ كنيسةٍ تُفجّرُ، هي جرحٌ في ضميرِ الأمةِ، لا في طائفةٍ بعينها.
الفتنةُ تموتُ حينَ نتمسكُ ببعضنا… وسوريا لم تُبنَ على أساسِ الدينِ، بل على أساسِ الإنسانِ. وفي وجهِ الإرهابِ الذي يريدنا قبائلَ وطوائفَ متناحرةً، لا نملكُ إلا أن نتمسكَ بإنسانيتنا، بماضينا المشتركِ، وبلغةِ القلبِ التي تتجاوزُ كلَّ الاختلافاتِ.
مسيحيو سوريا أكثرُ وطنيةً وإيمانًا مما يظنُّ أصحابُ الفتنةِ، ولن يجعلوا من شهدائهم وكنيستهم نهايةً لحكايتهم… بل سيجعلونَها بدايةً لتاريخٍ جديدٍ بإيمانٍ متجددٍ مع إخوانهم المسلمينَ كأبناءِ ترابٍ واحدٍ، وتاريخٍ واحدٍ، ووجعٍ واحدٍ، وحلمٍ واحدٍ.
الرحمةُ لشهدائنا الأبرارِ، والعافيةُ لجرحانا الأبطالِ، والصبرُ والسلوانُ لأهلنا في سوريا الحبيبةِ.
